فإن كان الأمويين قد عذبوا أحدا من المرجئة، فليس سبب العذاب إرجاءه ولكنه شيء آخر؛ فقتلوا الحارث بن سريج وهو زعيم من زعماء المرجئة في عهد مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، لا لأنه مرجئ، ولكن لخروجه وثورته لأسباب قبلية وعداوات شخصية.
وتعذيب أبي جعفر المنصور لأبي حنيفة لا لإرجائه، ولكن لأنه على ما يظهر أحسن منه ميلا إلى تفضيل محمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية) على المنصور، وهكذا.
فالمرجئة أميل إلى المسالمة. حكى الطبري أنه لما تولى يزيد بن عبد الملك ابن مروان خرج عليه يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، واستولى يزيد بن المهلب على البصرة وعلى ما يليها من فارس والأهواز، ودعا الناس، إلى كتاب الله وسنة نبيه، وحثهم على الجهاد؛ ورغم أن جهاد أهل الشام أعظم ثوابا من جهاد الترك والديلم؛ وتبعه في ذلك قوم من المرجئة، وعلى رأسهم رجل يقال له أبو رؤبة؛ وقد أرسل يزيد بن عبد الملك جيشا لمحاربة ابن المهلب يقوده أخوه مسلمة بن عبد الملك. فلما حرض يزيد بن المهلب أصحابه على قتال مسلمة بن عبد الملك وجنده قال أبو رؤبة المرجئ: إنا قد دعوناهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وقد زعموا أنهم قبلوا، فليس لنا أن
نمكر ولا نغدر ولا نريدهم بسوء ، فقال لهم يزيد بن المهلب: ويحكم! أتصدقون بني أمية، إنهم أرادوا أن يجيبوكم ليكفوكم منهم حتى يعملوا في المكر: قالوا: لا نرى أن نغفل ذلك حتى يردوا علينا ما زعموا أنهم قبلوه
6
منا فهم إذا خاصموا بني أمية خاصموهم في لين ورفق.
وكذلك كان شأنهم مع العباسيين، مهادنين مسالمين. وقد روى طيفور أن المأمون قال: «الإرجاء دين الملوك»؛
7
وهذه الجملة تحتمل معاني متعددة: فمنها أن الإرجاء هو الدين الذي يرضاه الملوك من أتباعهم، لأنهم يقفون موقف مسألة فلا يثيرون شغبا، ولا يخرجون عن طاعة مهما ارتكب الملوك من معاص، ومصلحة الملوك - دائما - أن تسالمهم الرعية، وتكل أمر العاصي منهم إلى الله يتولى عقابه أو العفو عنه؛ ولو اعتنق الناس هذا المبدأ مبدأ الإرجاء ما خرج خارج على عثمان ولا على علي ولا على معاوية، ولأرتاح الملوك من الثورات المتتالية.
وهناك معنى آخر لهذه الجملة، وهو أن الإرجاء أنسب المذاهب لأن يعتنقه كل ملك، لأنه يحمله على أن ينظر لأهل المذاهب الأخرى من معتزلة وخوارج وشيعة وغيرهم نظرة معتدلة، فلا يكفر أحدا، ولا يتدخل في عقيدة أحد، فكلهم مؤمنون، ومن عصى منهم فأمره إلى الله، وهذا يجعل الملك فوق المذاهب وفوق الأحزاب الدينية؛ فهو ملك الجميع، وهذا أصلح للملك.
ولكنا نرى أن المأمون - قائل هذه الجملة - كان أبعد الناس عن الأخذ بهذا المعنى الثاني، فقد تورط في الاعتزال، وانحاز إلى المعتزلة، وأراد أن يحمل الناس كلهم على اعتناقه، ولم يشأ أن يقول أحد إن القرآن ليس بمخلوق، وعده إن قال ذلك غير مؤمن، وحمل الناس على القول بمذهبه بالجلد والحبس - فهل قال هذه الجملة أخيرا بعد أن رأى اضطراب المملكة وفتنتها بالقول بخلق القرآن، وود لو سار على مذهب الإرجاء فترك الناس على مذاهبهم وترفع عن خلافهم؟ يبعد هذا الاحتمال أنه وهو يجود بنفسه أوصى المعتصم بأن يسير سيرته في خلق القرآن - أو أن المأمون قالها إجابة لنزعة من النزعات الوقتية، ثم لم يلبث أن عدل عنها وسار على نقيضها، أو أراد المعنى الأول؛ وهذا لا ينافي اعتقاده لمذهب الاعتزال؟ كل ذلك صالح أن يكون.
أدب المرجئة : لم نر بعد طول البحث أدبا كثيرا يصح أن يسمى أدب المرجئة، ولعل السبب في ذلك أن طبيعة الإرجاء نفسها لا تبعث أدبا، فإنما يبعث الأدب عنصران: عنصر عقلي قوي في يد صناع ولسان طلق، وهذا هو الذي نراه في أدب المعتزلة، فقد اتسعت عقولهم وشملت مناحي الحياة الطبيعية والاجتماعية، وكانت أداتهم اللسانية والعلمية أداة صالحة ثقفت بالثقافة العربية فأنتجت هذا النتاج الوافر الذي أشرنا إليه من قبل، وعنصر العاطفة القوية من حزن عميق وصبر على الشدائد كما هو الشأن في أدب الشيعة، أو عاطفة الشجاعة والقوة، وبعبارة مجملة عاطفة الحرب كما هو الشأن في الخوارج؛ أما المرجئة فالعقيدة نفسها عندهم تبعث على المسالمة والوقوف على الحياد، وهذه أمور تهدئ العاطفة وتجعلها فاترة، والعاطفة إذا افترت لا تنتج أدبا. يضاف إلى هذا أن ليست لهم ناحية عقلية واسعة عميقة؛ فهذا وذاك يجعل نتاجهم الأدبي ضعيفا، حتى لقد رأيت الشهرستاني قد عد من المرجئة شاعرين معروفين كبيرين، وهما الفضل الرقاشي والعتابي. فلما راجعت ما كتبت عنهما فيما بين يدي من كتب وما روي من شعرهما لم أجد فيه أثرا واضحا من أثر الإرجاء.