تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد عد الشهرستاني من رجال المرجئة: الحسين بن محمد بن علي بن أبي طالب وقال: قيل إنه أول من قال بالإرجاء، وكان يكتب فيه إلى الأمصار، كما عد منهم سعيد بن جبير ومقاتل بن سليمان، وكان مقاتل يقول: إن المؤمن العاصي يعذب يوم القيامة على الصراط، وهو على متن جهنم يصيبه لفح النار ولهبها فيتألم بذلك على مقدار المعصية، ثم يدخل الجنة؛ وبشر المريسي، وكان يقول: إن أدخل الله أصحاب الكبائر النار فإنهم سيخرجون منها بعد أن يعذبوا بذنوبهم، وأما التخليد فيها فمحال وليس بعدل؛ وحماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، وأبا حنيفة،

5

وصاحبيه أبا يوسف ومحمد بن الحسن.

الإرجاء والسياسة : من نتائج تعاليم المرجئة - أعني أن الإيمان هو التصديق وأن العمل ليس داخلا في مفهومه - اتساع دائرة المؤمنين، فكل من آمن بالله ورسله فهو مؤمن وإن ارتكب الكبائر، كما أن مبدأهم في جواز عفو الله من عن العصاة أوجد احتمال أن مرتكب الكبيرة يدخل الجنة من غير عقاب، وبهذا وذلك اتسعت دائرة المؤمنين، ودخل فيها كل مصدق، وكان المحتمل ألا يعذب. وعلى العكس من ذلك المعتزلة والخوارج، فقد ضيقوا دائرة المؤمنين، فمرتكب الكبيرة في نظرهم ليس بمؤمن، ومن لم يأت بفروض الأعمال ليس بمؤمن، بل نرى المعتزلة لا تكاد تعد مؤمنا إلا المعتزلة، والخوارج لا تكاد تعد مؤمنا إلا الخارجي، بل تكاد كل طائفة من طوائف المعتزلة والخوارج تقصر اسم الإيمان عليها، وتعد غيرها كافرا، فكأنهم يزعمون أن الجنة التي عرضها السماوات والأرض لم تخلق إلا لهم وهم حفنة قليلة.

أما المرجئة فعدوا كل الطوائف المخالفة لهم من شيعة ومعتزلة وخوارج وغيرهم مؤمنين، وعدوا كل من تأول واجتهد مؤمنا وإن أخطأ، وليس كافرا إلا من أجمعت الأمة على كفره، وليس أحد يخلد في النار من المؤمنين؛ بل إما أن يعفو الله عن ذنوبهم أو يعذبهم عليها حينا ثم يدخلهم الجنة. وقد اقتبس أهل السنة آراءهم هذه، فعندهم أن المؤمنين العصاة لا يخلدون في النار، وأنه لا يكفر أحد من أهل المذاهب الأخرى إلا في حدود معينة.. إلخ.

وهذه الأنظار التي حكينا عن المرجئة تخدم السياسة ولو من طريق غير مباشر؛ وأقل ما فيها أنها تجعل أصحابها محايدين، لا ضد الدولة ولا معها. وبيان ذلك أنهم لما استعرضوا أعمال السياسة على مبادئهم رأوا أن المتقاتلين الأولين كالذين ناصروا عثمان، والذين خرجوا عليه، والذين قاتلوا مع علي، والذين قاتلوا مع معاوية، كلهم مصدق بالله ورسوله، وكلهم متأول، فكلهم مؤمن؛ وإذا أخطأ بعضهم فعفو الله قد يشملهم، إذا فهم لا يكفرون أحدا من هؤلاء المتقاتلين، لا يكفرون عمرو بن العاص ولا معاوية ولا غيرها، كما يفعل الخوارج وبعض المعتزلة، ولا يكفرون قتلة عثمان، ولا يكفرون طائفة من طوائف المتحاربين، لأن غاية خطئهم إن أخطأوا أنهم ارتكبوا كبيرة، والكبيرة لا تخرج من الإيمان. على أنهم وقفوا في الحكم على أي الفريقين هو المخطئ، لأن كل فريق متأول، وكل فريق له حججه، والأمر يتعلق بالنيات أكثر مما يتعلق بالأعمال، والله هو الذي يطلع على نيات الناس وضمائرهم، فلنكل أمرهم جميعا إلى الله، ولا نسب أحدا، ولا نقطع بأنه سيدخل النار حتما.

ونتيجة هذا أنهم كانوا ينظرون إلى معاوية وصحبه نظرتهم إلى علي وصحبه، ويرون مهادنة بني أمية صحيحة، وأن خلفاءهم مؤمنون لا يصح الخروج عليهم، وتصح الصلاة وراءهم، وأن غاية ما يفعله أحدهم من الشر أن يرتكب كبيرة، ومرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان؛ ولذلك لم نر الأمويين اضطهدوا مرجئا لإرجائه، كما كانوا يضطهدون المعتزلة لاعتزالهم، والخوارج لخارجيتهم، والشيعة لتشيعهم؛ بل نراهم كانوا يستعملون من عرف بالإرجاء في أعمالهم، كما فعل يزيد بن المهلب بن أبي صفرة بثابت قطنة، وهو شاعر المرجئة. فقد ولاه أعمالا من أعمال الثغور.

ضحى الإسلام · الصفحة ٤٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٤٣١