تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3 - وقد جاء في الفقه الأكبر - المنسوب للإمام أبي حنيفة والذي أثبت العلماء صحة نسبة جزء كبير منه إليه، «الإيمان هو الإقرار والتصديق»؛ وجاء فيه: «ويستوي المؤمنون كلهم في المعرفة واليقين والتوكل، والمحبة والرضا والخوف والرجاء، ويتفاوتون فيما دون الإيمان في ذلك كله»؛ وجاء فيه: «والله متفضل على عباده، عادل، قد يعطي من الثواب أضعاف ما يستوجبه العبد تفضلا منه، وقد يعاقب على الذنب عدلا منه، وقد يعفو فضلا منه»؛ وجاء فيه: «ولا نكفر أحدا بذنب، ولا ننفي أحدا عن الإيمان ».

وهذه المسائل التي نقلناها عن «الفقه الأكبر» هي أصول الإرجاء، ولكن كثيرا من الفقهاء والمتكلمين جدوا في تكذيب هذا، واستكبروا نسبة الإرجاء إلى أبي حنيفة، وقالوا إن اهتمام أبي حنيفة بالفروع وكونه إماما من أكبر الأئمة فيها يدل على أنه يكبر الأعمال، وهذا عكس الإرجاء.

وما قاله في ذلك الشهرستاني: «ومن العجب أن غسان كان يحكي عن أبي حنيفة مثل مذهبه؛ ويعده من المرجئة، ولعله كذب ولعمري كان يقال لأبي حنيفة وأصحابه مرجئة السنة؛ وعده كثير من أصحاب المقالات من جملة المرجئة، ولعل السبب فيه أنه لما كان يقول الإيمان هو التصديق بالقلب وهو لا يزيد ولا ينقص؛ ظنوا به أنه يؤخر العمل عن الإيمان، والرجل مع تخرجه في العمل كيف يفتي بترك العمل؟ وله سبب آخر، وهو أنه كان يخالف القدرية والمعتزلة الذين ظهروا في الصدر الأول، والمعتزلة كانوا يلقبون كل من خالفهم في القدر مرجئا، وكذلك الوعيدية من الخوارج، فلا يبعد أن اللقب إنما لزمه من فريق المعتزلة والخوارج والله أعلم».

4

وأرى أن النقول كثيرة عن الإمام في تعريفه الإيمان بأنه التصديق والإقرار وأنه لا يزيد ولا ينقص، إلى غير ذلك من أصول الإرجاء؛ وأبو الحسن الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين نسبه إلى الإ رجاء، وهو معروف بالدقة والضبط في النقل؛ وليس يضير أبا حنيفة مطلقا أن ينسب إلى الإرجاء، بالمعاني التي ذكرنا. والفهم بأن القول بقصر الإيمان على التصديق يضعف شأن العمل - فهم العامة. أما الخاصة فلا يرون في ذلك بأسا، لأن اختلاف مفهوم الإيمان عن مفهوم الأعمال كالخلاف بين مفهوم الصلاة والصوم؛ وكل ما في الأمر أنهم غلبوا في مذهبهم جانب الرغبة على جانب الرهبة، وجانب الرجاء على جانب اليأس، والقرآن نفسه اتبع ذلك أحيانا في مثل قوله تعالى:

قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم . وليس أبو حنيفة هو الذي يقلل من شأن العمل ببحثه النظري في تعريف الإيمان، إنما هاجم بعض المتكلمين هذا المذهب لأن العامة لا يفهمون الأمور فهما فلسفيا، فإذا قيل لهم إن العمل ليس ركنا من الإيمان قل شأن العمل في نظرهم - وهذا حق. •••

وقد تسرب كثير من عقائد المرجئة إلى أهل السنة كالقول بعدم تخليد عصاة المؤمنين في النار، والقول بجواز تخلف الوعيد دون الوعد ونحو ذلك.

وإذا قال المتكلم بالأصول التي ذكرناها عد مرجئا.

وكثير من المرجئة كان يقول بهذه الأصول، وفي الوقت عينه يقول ببعض أصول المعتزلة، كأن يرى أن الإنسان يخلق أفعال نفسه، أو أن الله لا يرى بالبصر يوم القيامة؛ فيسمونهم - إذ ذاك - معتزلة المرجئة، وفي هذا التعبير تسامح من كتب الفرق، لأن الإرجاء في جوهره يخالف أصلا هاما من أصول المعتزلة، وهو اعتبار العمل ركنا من الإيمان، وخروج الفاسق عن الإيمان، وإيجاب تعذيب العاصي وتخليد الفاسق في النار؛ وقد قدمنا أنه لا يسمى معتزليا إلا من قال بالأصول الخمسة السابقة؛ فالقول بأن بعض الناس مرجئ معتزلي خطأ إذا أردنا الدقة في التعبير، وصواب إن أردنا أنه يقول ببعض آراء الاعتزال.

وكذلك قال قوم من المرجئة ببعض آراء الخوارج كقولهم في الإمامة إنها ليست بواجبة، فإن كان ولابد، صلح لها من استوفى الأهلية ولو كان غير قرشي؛ فسموهم مرجئة الخوارج، وقولنا في هذا كقولنا في سابقه.

ضحى الإسلام · الصفحة ٤٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٤٣٠