وكان أشد خصوم المرجئة في ذلك هم المعتزلة والخوارج، لأن هاتين الفرقتين اشترطوا في الإيمان الإتيان بالطاعات، واجتناب المعاصي، وجعلوا الأعمال جزءا من الإيمان. وجعلت الخوارج من أتى بالكبيرة كافرا، وجعلته المعتزلة في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمنا ولا كافرا، على حين أن المرجئة يقولون: إن مرتكب الكبيرة مؤمن، لأنه مصدق بقلبه، فاسق لارتكابه الكبيرة؛ بل منهم من يقول إنه لا يصح أن يسمى فاسقا بإطلاق، بل يقال فاسق في كذا.
2
ولعل هذه المسألة - مسألة الإيمان وتحديده - هي محور الإرجاء، وقد تفرع عنها جملة مسائل، مثل: هل الإيمان يزيد وينقص، أو لا يزيد ولا ينقص؟ فلما قال المرجئة بأن الإيمان هو التصديق بالقلب، أو التصديق بالقلب والإقرار باللسان. قال أكثرهم إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأن التصديق غير مقول بالتشكيك، والإقرار باللسان إما أن يكون أو لا يكون، فلا محل للزيادة ولا النقصان؛ ومن قال إن الأعمال داخلة في مفهوم الإيمان، والأعمال تكثر وتقل، قالوا: إن الإيمان يزيد وينقص، وقد احتج الأخيرون بقوله تعالى:
فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا ، وقوله:
الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا ؛ وقد تأول المرجئة هذه الآية وأمثالها بأن هذه الآية لما نزلت زادتهم تصديقا بشيء لم يكن عندهم من قبل؛ فالإيمان الذي زاد ليس هو الإيمان بمعنى التصديق بالله، بل الإ يمان فيها هو التصديق بمعنى الآية وما أخبرت به إلخ.
ومما فرعه المرجئة على تعريفهم للإيمان أن المؤمن مرتكب الكبيرة لا يخلد في النار، لأنه - على كل حال - مؤمن، وخالفوا في ذلك المعتزلة والخوارج، إذ يقولون إن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، ولا يخرج منها أبدا، واستدلوا بقوله تعالى:
ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها
وقوله:
ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ، وقد تأول المرجئة هذه الآيات، فقالوا في الآية الأولى: إن من يعص الله ورسوله ويكون مؤمنا لم يتعد حدوده، بل تعدى بعض حدوده، إنما يتعدى الحدود كلها الكافر؛ وتأولوا الآية الثانية بأن من قتل مؤمنا لأنه مؤمن، ولا يكون القاتل بهذا الوضع إلا كافرا إلخ.
فالمرجئة يرون أنه لا يخلد في النار إلا الكافر.
وكان مما قالوه أيضا: إن وعد الله لا يتخلف، ووعيده قد يتخلف، لأن يتصرف فيه كما يشاء، ولا يعد الخلف في الوعيد نقصا، فخالفوا في ذلك المعتزلة كما تقدم من قولهم. •••
وقد كان من الجائز أن يقابل كلام المرجئة وشرحهم لرأيهم في الإيمان بشيء من التسامح، لولا أن كثيرا من رءوس المتكلمين شعروا بالخطر الذي ينطوي عليه كلامهم في الإيمان، وهو التقليل من شأن الأعمال والإتيان بالطاعات، فرأوا أن جعل الإيمان هو التصديق بالقلب وحده أو مع الإقرار باللسان يجعل أعمال الطاعات في المنزلة الثانية، حتى إن بعضهم فسر تسميتهم المرجئة بأنهم أرجأوا العمل، أي أخروا منزلته بعد منزلة الإيمان؛ وفي هذا خطر، وخاصة على العامة، لأنهم إن فهموا أن الأعمال ليست ركنا من أركان الإيمان، قل التزامهم لها وتمسكهم بالإتيان بها، وعلى العكس من ذلك إذا فهموا أنها جزء من الإيمان لا يكمل إلا بها، فحاربوا مذهبهم وعدوه من الفرق المنحرفة.
أما هي في نظر الخاصة فلا ضرر منها، لأنه إذا كان مفهوم الإيمان هو التصديق فقط، لم يمنع ذلك من وجوب الطاعات كالصلاة والصوم وجوبا حتما مشددا لا يصح التساهل فيه بحال، والخلاف ليس إلا في مدلول الألفاظ.
ومن أجل هذا ثارت مسألة كثر حولها الجدل، فقد نقل عن أبي حنيفة أنه كان مرجئا، وممن نقل ذلك أبو الحسن الأشعري في كتابه «مقالات الإسلاميين»، فقال: «الفرقة التاسعة من المرجئة - أبو حنيفة وأصحابه - يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله والإقرار بالله، والمعرفة بالرسول والإقرار بما جاء به من عند الله في الجملة دون التفسير»