تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والحق إن المهدي على ما يظهر كان معتدلا في لهوه وترفه، ولكن ما كاد يرخي للناس العنان في هذا السبيل حتى استطابوه، وأفرط فيه المستهترون، ولم يقفوا عند حد. لم يجرءوا في عهد المنصور أن يستهتروا لأنه ضرب لهم مثلا من نفسه بالجد والحزم، فلما رأوا المهدي يخطو خطوة جرواهم وقفزوا، وبلي الناس في عهده ببشار يبث فيهم غزله المكشوف، ويفتنهم بشعره الداعر، ويملأ البلاد بالحث على المغازلة، حتى ضج الأشراف إلى المهدي من شعره؛ مثل يزيد بن منصور خال المهدي، وطلبوا إليه أن يقف هذا التيار لما خافوا على نسائهم وبناتهم، فتدخل المهدي حينئذ، ونهى بشارا عن الغزل فيقول:

قد عشت بين الريحان والراح وال

مزهر في ظل مجلس حسن

وقد ملأت البلاد ما بين ف

غفور إلى القيروان فاليمن

17

شعرا تصلي له العواتق والث

يب صلاة الغواة للوثن

ثم نهاني المهدي فانصرفت

نفسي صنيع الموفق اللقن

فالحمد لله لا شريك له

ليس بباق شيء على الزمن

ومع هذا ظل في خبث يتغزل من طريق خفي، ويحتمي بنهي المهدي، فيقول:

يا منظرا حسنا رأيته

من وجه جارية فديته

بعثت إلي تسومني

ثوب الشباب وقد طويته

والله رب محمد

ما إن غدرت ولا نويته

أمسكت عنه وربما

عرض البلاء وما ابتغيته

إن الخليفة قد أبى

وإذا أبى شيئا أبيته

ونهاني الملك الهما

م عن النساء فما عصيته

بل قد وفيت، ولم أضع

عهدا، ولا وأيا وأيته

18

وأنا المطل على العدى

وإذا غلا الحمد اشتريته

وأميل في أنس النديم

من الحياء وما اشتهيته

ويشوقني بيت الحبيب

إذا غدوت وأين بيته

حال الخليفة دونه

فصبرت عنه وما قليته

ويقول:

دفنت الهوى حيا فلست بزائر

سليمى ولا صفراء ما قرقر القمري

وتركت لمهدي الأنام وصالها

وراعيت عهدا بيننا ليس بالختر

19

ولولا أمير المؤمنين محمد

لقبلت فاها أو لكان بها فطري

لعمري لقد أوقرت نفسي خطيئة

فما أنا بالمزداد وقرا على وقر

ثم يبلغ المهدي حسن صوت إبراهيم الموصلي فيقربه إليه، ويكون هو أول من يعلي شأنه، ثم يعلم أن الموصلي يشرب ويستهتر فيريده على ملازمته، وترك الاستهتار، فلا يستطيع الموصلي ذلك فيضربه ويحبسه. يقول إبراهيم الموصلي: إن المهدي دعاني يوما فعاتبني على شربي في منازل الناس، والتبذل معهم فقلت: يا أمير المؤمنين إنما تعلمت هذه الصناعة للذتي وعشرتي لإخواني، ولو أمكنني تركها لتركتها، وجميع ما أنا فيه لله عز وجل. فغضب المهدي غضبا شديدا، وقال: لا تدخل على موسى وهارون ألبتة، فوالله لئن دخلت عليهما لأفعلن ولأصنعن! فقلت: نعم. ثم بلغه أني دخلت عليهما، وشربت معهما، وكانا مستهترين بالنبيذ فضربني ثلثمائة سوط ثم قيدني وحبسني.

20

في الحقيقة إن المهدي فتح للناس باب اللهو، ورسم لهم حدا يقفون عنده فتخطوه، وحاول أن يقفهم عند الحد الذي رسمه بإيقاع العقوبة على من تجاوزه فلم ينجح. •••

انتقل الناس نقلة أخرى من حيث السرف في الترف في عهد الرشيد، ويرجع ذلك إلى أسباب؛ منها ما كان من النشوء الطبيعي للأمة، فكان من انضباط أمورها ما زاد ثروتها، ومكنها من أن تعيش عيشة ناعمة، فقد حكى ابن خلدون: أن دخل المملكة في عهد الرشيد كان في كل سنة 7015 قنطارا.

21

والقنطار في حسابه عشرة آلاف دينار، فيكون مجموع ذلك سبعين مليون ومائة وخمسين ألف دينار. وهي ميزانية ضخمة، تدلنا مهما بولغ فيها على غنى الدولة، وتمكنها من حياة النعيم.

والسبب الثاني: عظم سلطان الفرس في عصره وعلى رأسهم البرامكة، والفرس من قديم يعرفون بالميل إلى اللهو والسرور، والإفراط في حب النبيذ، وقد كانت الديانة الزرادشتية تبيح شرب النبيذ بل تجعله من شعائرها، وما يزال النبيذ كما يقول الأستاذ «براون» إلى اليوم ظاهرة قوية في الحياة اليومية للفرس الزرادشتية. كان الفرس قديما يفرطون في شرب النبيذ، وكانوا يفرطون في سماع الغناء، وكانوا يفرطون في فنون كثيرة من اللهو الطيب، واللهو الخبيث. فلما عاد سلطانهم في الدولة العباسية، وخاصة في عهد الرشيد والمأمون نشروا مع نفوذهم حياة الأكاسرة، وما كان فيها من حضارة ولهو وعبث؛ نقلوا جدهم من نظم سياسية ونحوها، ونقلوا لهوهم من نبيذ ومجالس غناء وغزل، وما إلى ذلك.

ضحى الإسلام · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٤٢