تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجاء الشيعة فأغنوا الأدب لا من هذه الناحية العقلية، بل من الناحية السياسية والعاطفية، فظلوا يقولون في الحق وطلبه؛ والإرث وغصبه، ثم يبكون على حق ضاع، ودم أريق، وحرمات انتهكت، وبيوت دمرت، وجثث صلبت وذريت.

فكان لنا من الأدبين جميعا؛ فكر وعاطفة، وعقل وقلب، وكلاهما لابد منه في الأدب.

الفصل الثالث

| المرجئة1

إن كان أساس «الاعتزال» هو الأصول الخمسة التي شرحناها، وأساس التشيع هو «الإمامة» التي أبناها، فأساس الإرجاء هو تحديد معنى

الإيمان ، وما يتبع ذلك من أبحاث.

لقد بدأ القول بالإرجاء بسيطا ساذجا كما تبين لنا في العصر الأموي، فلما تفلسفت المذاهب الأخرى في العصر العباسي تفلسف «الإرجاء».

ما هو الإيمان؟ لدينا عناصر ثلاثة: تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وإتيان بأنواع الأعمال من صلاة وصوم وزكاة وحج؛ فأي هذه هو الإيمان، أو هل هو كلها جميعا؟ على هذا البحث دار الإرجاء.

فكثير من المرجئة كانوا يرون أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، أو بعبارة أخرى هو معرفة الله بقلبه، ولا عبرة بالمظهر؛ فإن آمن بقلبه، فهو مؤمن مسلم، وإن أظهر اليهودية والنصرانية، وإن لم ينطق لسانه بالشهادتين، وليس الإقرار باللسان ولا الأعمال من صلاة وصوم ونحوهما جزءا من الإيمان.

وحجتهم أن القرآن نزل بلغة العرب، والإيمان في اللغة هو التصديق فقط، وأما العمل بالجوارح فليس يسمى في اللغة تصديقا، فليس إيمانا؛ وقد جاء في القرآن حكاية عن إخوة يوسف:

وما أنت بمؤمن لنا

أي بمصدق ما حدثناك به؛ وفي الحديث: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله» أي تصدق.

ومن «المرجئة» من كان يرى أن الإيمان ركنان: تصديق بالقلب، وإقرار باللسان؛ فالتصديق بالقلب وحده لا يكفي، والإقرار باللسان وحده لا يكفي، بل لابد منهما معا ليكون مؤمنا، لأن من صدق بقلبه وأعلن التكذيب بلسانه لا يسمى مؤمنا.

وعلى كل حال فيكاد المرجئة يجمعون على أن العمل ليس ركنا من أركان الإيمان ولا داخلا في مفهومه.

وكل خصومهم يرون أن للإيمان أركانا ثلاثة: التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، وعمل الطاعات؛ لأن الإيمان في اللغة وإن كان هو التصديق بالقلب، إلا أن الشارع كثيرا ما يغير المعاني اللغوية ويزيد فيها ويقيدها، كالصلاة كانت في اللغة الدعاء، فاستعملها الشارع في معناها الخاص المعروف؛ وقد قال الله في القرآن:

وما كان الله ليضيع إيمانكم ، وسياق الآية يدل على أن المراد بالإيمان هو الصلاة إلى بيت المقدس قبل أن ينسخ بالصلاة إلى الكعبة، وقال الله:

إن الدين عند الله الإسلام ، وقال في موضع آخر:

وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ، فنص على أن عبادة الله دين، وفي الآية الأولى نص على أن الدين الإسلام، فعبادة الله الإسلام، والإسلام هو الإيمان لقوله تعالى:

يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين .

ودليل آخر وهو أن الله قال:

فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ، فجعل التحكيم من الإيمان وهو غير التصديق بالقلب.

وأيضا لو كان الإيمان وهو التصديق بالقلب لكان كثير من اليهود مؤمنين، فقد قال الله إنهم يعرفون النبي كما يعرفون أبناءهم، وإنهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، وقال:

ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ، مع أنه لا خلاف بين المسلمين في عد هؤلاء اليهود كفارا.

وكان المرجئة الذين يقولون إن الإيمان هو التصديق بالقلب يردون عليهم في هذا بأن اليهود والنصارى لم يعرفوا أن محمدا رسول الله، ومعنى يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، أي يعرفون أنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؛ إلى آخر ما دار بينهم من حوار.

ضحى الإسلام · الصفحة ٤٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٤٢٨