وأنمت عينا لم تكن بك تهجع الخ •••
يقابل ذلك كلما كان من الشعر في تأييد وجهة نظر العباسيين والاحتجاج بتفضيل العم، كالذي يقول مخاطبا الرشيد:
يا ابن الأئمة من بعد النبي ويا اب
ن الأوصياء أقر الناس أو دفعوا
إن الخلافة كانت إرث والدكم
من دون تيم وعفو الله متسع
لولا عدي وتيم لم تكن وصلت
إلى أمية تمريها وترتضع
133
وما لآل علي في إمارتكم
وما لهم أبدا في إرثكم طمع
يا أيها الناس لا تعزب حلومكم
ولا تضفكم إلى أكنافها البدع
العم أولى من ابن العم فاستمعوا
قول النصيحة إن الحق مستمع
وكالذي يقول:
ألا لله در بني علي
ودر من مقالتهم كثير
يسمون النبي أبا ويأبى
من الأحزاب سطر بل سطور
134
وكان من أكبر دعاة العباسيين في الشعر مروان بن أبي حفصة؛ لقد مدح المهدي والرشيد ونال جوائزهما العظيمة، وقال قصيدته المشهورة التي يمدح بها المهدي عندما عقد البيعة لابنه الهادي:
يا ابن الذي ورث النبي محمدا
دون الأقارب من ذوي الأرحام
الوحي بين بني البنات وبينكم
قطع الخصام فلات حين خصام
ما للنساء مع الرجال فريضة
نزلت بذلك سورة الأنعام
خلوا الطريق لمعشر عاداتهم
حطم المناكب كل يوم زحام
135
ارضوا بما قسم الإله لكم به
ودعو وراثة كل أصيد حام
136
أني يكون، وليس ذاك بكائن
لبني البنات وراثة الأعمام
ألغى سهامهم الكتاب فحاولوا
أن يشرعوا فيها بغير سهام
137
ظفرت بنو ساقي الحجيج بحقهم
وغررتم بتوهم الأحلام
138
عقدت لموسى بالرصافة بيعة
شد الإله بها عرا الإسلام
139
موسى الذي عرفت قريش فضله
ولها فضيلتها على الأقوام
وكان من الأبيات على الشيعة قوله:
أني يكون - وليس ذاك بكائن -
لبني البنات وراثة الأعمام
140
وقد غاظهم هذا البيت جدا حتى لعنوه من أجله، وردوا عليه بقولهم:
لم لا يكون - وإن ذاك لكائن -
لبني البنات وراثة الأعمام
للبنت نصف كامل من ماله
والعم متروك بغير سهام
ما للطليق وللتراث وإنما
صلى الطليق مخافة الصمصام
141
وحتى اغتاله بعضهم؛ فروى الأغاني أن صالح بن عطية لما سمع منه هذا البيت عاهد الله أن يغتاله، فلم يزل يلاطفه إلى أن أنس به، ثم مرض مروان بالحمى، فخلا البيت يوما به وبصالح، فوثب عليه صالح حتى أخذ بحلقه، فما فارقه حتى مات.
142
ويطول بنا القول لو عددنا شعراء العلويين والعباسيين، وما قاله كل في الخلافة واستحقاقها، فنجتزئ بهذا القدر، وهو يكفينا للدلالة على ما كان للشيعة من أثر كبير في الأدب الأموي والعباسي. ولقد ظل هذا النزاع الأدبي على حدته طوال العصور الإسلامية، وفي كل قطر تقريبا حتى يومنا هذا، وكان له الأثر القوي في الأدبين الفارسي والعربي معا. وعلى الجملة فلئن شقيت السياسة بهذا النزاع فقد سعد الأدب؛ ولئن أجرى الدماء، وأزهق الأرواح، وخرب الممالك - فقد حرك العواطف، وأسال الأفكار، وأطلق للخيال العنان.
لقد أغنى المعتزلة الأدب من حيث المعاني، وقوة العقل، وسعة الذهن، وتوليد الأفكار العقلية، والنظر إلى الكون وإلى الطبيعة، وإجراء التجارب عليها، ودلالتها على خالقها، وغاصوا على المعاني غوصا، ونقلوا الأدب من لفظ رشيق، إلى معنى عميق، ومن عبارات مجملة منمقة، إلى موضوعات واسعة مسهبة، وبعد أن كان الأدب خلوا من الموضوع جعلوا له موضوعا؛ فمن موضوعه: الحيوان، والبخلاء، والإمام، والقيان، والتجار، والمعلمون، إلى غير ذلك من موضوعات لم تكن في الأدب قبل المعتزلة؛ ووجهوا الذهن وجهات لم تكن قبلهم. كان النثر قبلهم خطبا ترصف فيه الجمل رصفا، أو جملا حكمية، أو أمثالا سائرة، فجعلوا الأدب كتبا، كل كتاب يدور حول موضوع اجتماعي أو أدبي، أو رسائل كل رسالة لها نواة تدور الرسالة حولها. وكان الجاحظ مظهر المعتزلة، المحيط بأدبهم، الناشر لآرائهم، المحلي لأفكارهم، يزيد عليها من أفكاره، ويحليها بتعبيراته.