وفيما عدا هذا المظهر في مدح بني أمية قد استعمل علمه، وطريقة تعليمه ومعرفته الواسعة بالأخبار في مدح بني هاشم عامة، والعلويين خاصة، ودعم مذهبهم بالحجج، وشنع على بني أمية أشد تشنيع. ولنسق بعض الأمثلة من قوله - فمن حججه التي استعملها قوله:
يقولون لم يورث ولولا تراثه
لقد شركت فيه بكيل وأرحب
117
ولا نتشلت عضوين منها يحابر
وكان لعبد القيس عضو مؤرب
118
فإن هي لم تصلح لحي سواهم
إذا فذوو القربى أحق وأقرب
119
فيا لك أمرا قد أشتت وجوهه
ودارا ترى أسبابها تتقضب
120
تبدلت الأشرار بعد خيارها
وجد بها من أمة وهي تلعب
121
يؤلف من ذلك للشيعة حجة فيقول: لو لم يورث النبي
صلى الله عليه وسلم
لكانت الخلافة شائعة في قبائل العرب، ولما كان هناك معنى للقول بأن الخلافة من قريش، فإذا تمسكتم بأن الخلافة من قريش، ودفعتم الأنصار عن الخلافة بهذه الحجة، فلا معنى لتقديم قريش إلا القربى من رسول الله، وإذا كانت القربى هي الحجة فالأقرب أولى، فبنو هاشم أولى من بني أمية، وبنو علي أولى بني هاشم.
وهكذا ظل يؤلف الحجج لهم على هذا النمط، ويطعن الأمويين الطعنات النافذة، فيقول في الموازنة بين بني هاشم وبني أمية:
أسد حرب غيوث جدب بها ليل
مقاويل غير ما أفدام
122
سادة ذادة عن الخرد البيض
إذا اليوم كان كالأيام
123
ساسة لا كمن يرى رعية النا
س سواء ورعية الأنعام
124
لا كعبد المليك أو كوليد
أو سليمان بعد أو كهشام
من يمت فلا يمت فقيدا ومن يحيي
فلا ذو إل ولا ذمام
125
ويقول:
فقل لبني أمية حيث حلوا
وإن خفت المهند والقطيعا
126
ألا أف لدهر كنت فيه
هدانا طائعا لكم مطيعا
127
أجاع الله من أشبعتموه
وأشع من بجوركم أجيعا
ويلعن فذ أمته جهارا
إذا ساس البرية والخليعا
128
بمرضى السياسة هاشمي
يكون حيا لأمته ربيعا
وليثا في المشاهد غير نكس
لتقويم البرية مستطيعا
129
يقيم أمورها ويذب عنها
ويترك جدبها أبدا مريعا
130
ومثل هذا كثير. ولقد اضطهد من أجل هذا وسجن وعذب فكان يقول:
ما أبالي إذا حفظت أبا القا
سم فيهم ملامة اللوام
ما أبالي ولن أبالي فيهم
أبدا رغم ساخطين رغام
فهم شيعتي وقسمي من الأمة
حسبي من سائر الأقسام
إن أمت لا أمت ونفسي نفسا
ن من الشك في عمى أو تعامي
وكان شعره - من غير شك - وقودا للثورة، يسير في الناس فيبعث فيهم الحمية والحماسة، ويدفعهم لكره بني أمية وقتالهم، وقتل فقتلت بعده الدولة الأموية بقليل. •••
فإن نحن وصلنا إلى العصر العباسي، رأينا الشعر السياسي يتلون بالخلاف المذهبي؛ فقد انقسم بنو هاشم إلى علويين وعباسيين، وأخذوا يتحاجون في «الأقربية»؛ يقول العباسيون إنهم ورثة العباس وهو عم، والعم يحجب ابن العم (وهو علي)؛ ويقول العلويون إنهم يرثون ولايتهم عن علي، وهو وإن كان ابن عم إلا أن نسله من فاطمة بنت النبي
صلى الله عليه وسلم
كالحسن والحسين وأولادهما أولى، لأن البنت أقرب من العم؛ فأخذ الشعر يصطبغ هذه الصبغة، وينحاز فريق من الشعراء إلى العلويين وفريق إلى العباسيين.
فأظهر شعراء الشيعة العلويين: السيد الحميري، وهو شاعر مخضرم عاش في الدولتين الأموية والعباسية من سنة 105 إلى سنة 173، وكان مكثرا مجيدا ولكنه كان مثالا للشيعي الغالي في التشيع، «فكان يفرط في سب أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وأزواجه، ويستعمل شعره في قذفهم والطعن عليهم، فتحومي شعره من هذا الجنس وغيره، وهجره الناس تخوفا وترقبا؛ وله طراز من الشعر ومذهب قلما يلحق به أو يقاربه، ولا يعرف له من الشعر كثير، وليس يخلو من مدح بني هاشم أو ذم غيرهم ممن هو عنده ضد لهم»؛
131
وقال الأصمعي: «لولا ما في شعره من سب السلف لما تقدمه من طبقته أحد».
قال القصائد الطويلة في فضائل علي، حتى وقف يوما بالكوفة فقال: «من أتاني بفضيلة لعلي بن أبي طالب ما قلت فيها شعرا فله دينار»، حتى الفضائل الخرافية كالذي زعموا أن علي بن أبي طالب قام فتطهر للصلاة، ثم نزع خفه فانسابت فيه أفعى، فلما عاد ليلبسه انقضت عقاب فأخذت الخف فحلقت به، ثم ألقته فخرجت الأفعى منه. ومن خير قصائده في ذلك قصيدته المشهورة: