تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفيما عدا هذا المظهر في مدح بني أمية قد استعمل علمه، وطريقة تعليمه ومعرفته الواسعة بالأخبار في مدح بني هاشم عامة، والعلويين خاصة، ودعم مذهبهم بالحجج، وشنع على بني أمية أشد تشنيع. ولنسق بعض الأمثلة من قوله - فمن حججه التي استعملها قوله:

يقولون لم يورث ولولا تراثه

لقد شركت فيه بكيل وأرحب

117

ولا نتشلت عضوين منها يحابر

وكان لعبد القيس عضو مؤرب

118

فإن هي لم تصلح لحي سواهم

إذا فذوو القربى أحق وأقرب

119

فيا لك أمرا قد أشتت وجوهه

ودارا ترى أسبابها تتقضب

120

تبدلت الأشرار بعد خيارها

وجد بها من أمة وهي تلعب

121

يؤلف من ذلك للشيعة حجة فيقول: لو لم يورث النبي

صلى الله عليه وسلم

لكانت الخلافة شائعة في قبائل العرب، ولما كان هناك معنى للقول بأن الخلافة من قريش، فإذا تمسكتم بأن الخلافة من قريش، ودفعتم الأنصار عن الخلافة بهذه الحجة، فلا معنى لتقديم قريش إلا القربى من رسول الله، وإذا كانت القربى هي الحجة فالأقرب أولى، فبنو هاشم أولى من بني أمية، وبنو علي أولى بني هاشم.

وهكذا ظل يؤلف الحجج لهم على هذا النمط، ويطعن الأمويين الطعنات النافذة، فيقول في الموازنة بين بني هاشم وبني أمية:

أسد حرب غيوث جدب بها ليل

مقاويل غير ما أفدام

122

سادة ذادة عن الخرد البيض

إذا اليوم كان كالأيام

123

ساسة لا كمن يرى رعية النا

س سواء ورعية الأنعام

124

لا كعبد المليك أو كوليد

أو سليمان بعد أو كهشام

من يمت فلا يمت فقيدا ومن يحيي

فلا ذو إل ولا ذمام

125

ويقول:

فقل لبني أمية حيث حلوا

وإن خفت المهند والقطيعا

126

ألا أف لدهر كنت فيه

هدانا طائعا لكم مطيعا

127

أجاع الله من أشبعتموه

وأشع من بجوركم أجيعا

ويلعن فذ أمته جهارا

إذا ساس البرية والخليعا

128

بمرضى السياسة هاشمي

يكون حيا لأمته ربيعا

وليثا في المشاهد غير نكس

لتقويم البرية مستطيعا

129

يقيم أمورها ويذب عنها

ويترك جدبها أبدا مريعا

130

ومثل هذا كثير. ولقد اضطهد من أجل هذا وسجن وعذب فكان يقول:

ما أبالي إذا حفظت أبا القا

سم فيهم ملامة اللوام

ما أبالي ولن أبالي فيهم

أبدا رغم ساخطين رغام

فهم شيعتي وقسمي من الأمة

حسبي من سائر الأقسام

إن أمت لا أمت ونفسي نفسا

ن من الشك في عمى أو تعامي

وكان شعره - من غير شك - وقودا للثورة، يسير في الناس فيبعث فيهم الحمية والحماسة، ويدفعهم لكره بني أمية وقتالهم، وقتل فقتلت بعده الدولة الأموية بقليل. •••

فإن نحن وصلنا إلى العصر العباسي، رأينا الشعر السياسي يتلون بالخلاف المذهبي؛ فقد انقسم بنو هاشم إلى علويين وعباسيين، وأخذوا يتحاجون في «الأقربية»؛ يقول العباسيون إنهم ورثة العباس وهو عم، والعم يحجب ابن العم (وهو علي)؛ ويقول العلويون إنهم يرثون ولايتهم عن علي، وهو وإن كان ابن عم إلا أن نسله من فاطمة بنت النبي

صلى الله عليه وسلم

كالحسن والحسين وأولادهما أولى، لأن البنت أقرب من العم؛ فأخذ الشعر يصطبغ هذه الصبغة، وينحاز فريق من الشعراء إلى العلويين وفريق إلى العباسيين.

فأظهر شعراء الشيعة العلويين: السيد الحميري، وهو شاعر مخضرم عاش في الدولتين الأموية والعباسية من سنة 105 إلى سنة 173، وكان مكثرا مجيدا ولكنه كان مثالا للشيعي الغالي في التشيع، «فكان يفرط في سب أصحاب رسول الله

صلى الله عليه وسلم

وأزواجه، ويستعمل شعره في قذفهم والطعن عليهم، فتحومي شعره من هذا الجنس وغيره، وهجره الناس تخوفا وترقبا؛ وله طراز من الشعر ومذهب قلما يلحق به أو يقاربه، ولا يعرف له من الشعر كثير، وليس يخلو من مدح بني هاشم أو ذم غيرهم ممن هو عنده ضد لهم»؛

131

وقال الأصمعي: «لولا ما في شعره من سب السلف لما تقدمه من طبقته أحد».

قال القصائد الطويلة في فضائل علي، حتى وقف يوما بالكوفة فقال: «من أتاني بفضيلة لعلي بن أبي طالب ما قلت فيها شعرا فله دينار»، حتى الفضائل الخرافية كالذي زعموا أن علي بن أبي طالب قام فتطهر للصلاة، ثم نزع خفه فانسابت فيه أفعى، فلما عاد ليلبسه انقضت عقاب فأخذت الخف فحلقت به، ثم ألقته فخرجت الأفعى منه. ومن خير قصائده في ذلك قصيدته المشهورة:

ضحى الإسلام · الصفحة ٤٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٤٢٥