وقد عقد ابن عبد ربه في كتابه العقد الفريد فصلا في الأجوبة
115
ذكر فيه كثيرا من الأجوبة التي دارت بين عقيل بن أبي طالب ومعاوية، وما كان من الأجوبة بين معاوية وابن عباس، وما كان بين ابن عباس وعمرو بن العاص، ومجاوبات بني هاشم لابن الزبير، وما كان بين الحسين ومعاوية إلخ؛ وهو فصل ممتع حقا، فائق حقا، وهو مظهر من مظاهر الأدب الشيعي القوي، يدل على ما منحه هؤلاء القوم من إصابة الحجة، ووضوح المحجة، وهو نموذج لما أنتجه النزاع بين الأمويين والهاشميين من أدب، ولولا طوله لنقلته، فليرجع إليه القارئ ليشاركني في رأيي.
وتسلسل هذا النوع من الأدب بين أئمة الشيعة وخصومهم، حتى رأينا في مطلع العصر العباسي هذه الكتب القوية التي كانت بين محمد بن عبد الله بن الحسن، وبين أبي جعفر المنصور، وقد نقلنا بعضها قبل، واتخذها كثير من كتب الأدب كالكامل للمبرد مثلا للأدب الرفيع إلخ.
ونوع آخر من الأدب الشيعي وهو الأدب الحزين، أدب البكاء على القتلى والمصلوبين، أمثال الحسين، وزيد بن علي، ومحمد بن عبد الله إلخ. وهذا النوع قد ملئت به كتب التاريخ والأدب، وكانت حادثة الحسين على الأخص مثارا لقصائد طويلة وقصص خيالية رائعة، في مختلف العصور.
ونوع ثالث، وهو أن هذا النزاع بين الشيعة وخصومهم كون أحزابا؛ ففي الدولة الأموية حزب هاشمي، وحزب أموي، وفي الدولة العباسية حزب علوي وحزب عباسي، ولم تقتصر الخصومة بين الأحزاب على هذا الجانب المظلم، جانب السيف والدم، بل كان إلى هذا جانب طريف هو جانب الخصومة الأدبية التي كانت نعمة على الأدب.
فكان هناك شعراء للشيعة وشعراء لبني أمية وشعراء للعلويين يقابلهم شعراء للعباسيين، وكان هؤلاء الشعراء يقومون لأحزابهم مقام الصحف للأحزاب اليوم. وفي رأيي أن فضل الشيعة الأدبي لم يقتصر على شعراء حزبهم، بل لهم الفضل كذلك حتى على شعراء خصومهم، فلولا خصومة الشيعة الحادة ما كان شعراء الأمويين والعباسيين بهذه القوة والغزارة، ولا نحصر الشعر في هذا الضرب السخيف، شعر المديح الصرف؛ فكان هذا الذي ذكرت سببا من أكبر الأسباب في وجود الشعر السياسي، في العصر الأموي والعباسي.
كان للأمويين شعراء سياسيون، وللشيعة كذلك ولسائر الفرق، وابتدأ ذلك من عهد علي، فكان لعلي أبو الأسود الدؤلي، ولمعاوية مسكين الدارمي ثم لبني أمية أبو العباس الأعمى، وأعشى ربيعة، ونابغة بني شيبان إلخ، وللهاشميين كثير عزة، والكميت، وأيمن بن حريم الأسدي إلخ. وكان شعراء بني أمية أكثر، لأن المال لديهم أوفر، ولهذا مدحهم حتى شعراء الشيعة، وحتى الكميت؛ وكان شعر الشيعة أحر وأقوى، لأن مبعثه الإخلاص غالبا، فليس لأئمة الشيعة ما يكافئون به كثيرا.
ويصح أن نقف وقفة قصيرة عند الكميت، فإنه أكبر شعراء الشيعة في العصر الأموي، وهو أول من احتج في شعره على صحة المذهب الشيعي وأقام حججه وقوي براهينه، حتى قال الجاحظ فيه: «إنه أول من دل الشيعة على طرق الاحتجاج»، ولدينا ثروة كبيرة من شعره في ذلك وهي «الهاشميات»، وسميت القصائد بذلك لأنه احتج فيها لبني هاشم على خصومهم، وعدد أبياتها نحو من 536 بيتا.
116
ولد الكميت أيام مقتل الحسين سنة 60، ومات سنة 126 في خلافة مروان ابن محمد آخر الخلفاء الأمويين. وكان شاعرا جزلا مكثرا، فقد بلغ شعره نحو 5289 بيتا، وكان معلما في مسجد الكوفة، وكان خبيرا بأيام العرب، عالما بلغاتها وشعرائها، وقف حياته متعصبا للمصرية على اليمنية، ثم متعصبا لبني هاشم على الأمويين، إلا فترة قصيرة أحس فيها بالخطر على حياته؛ فاستعمل التقية الشيعية ومدح الأمويين، ولجأ إلى الخليفة هشام بن عبد الملك فمدحه وزعم أنه تاب وأناب فعفا عنه - فلما حضرته الوفاة عاد فأظهر حبه وفتح عينيه ورووا أنه قال: اللهم آل محمد، اللهم آل محمد، اللهم آل محمد.