وتعجبني جملة في نهج البلاغة تنسب إلى الإمام علي، فقد سئل عن رأيه في عثمان وقاتليه فقال: «إنه استأثر فأساء الأثرة وجزعوا فأساءوا الجزع؛ ولله حكم واقع، في المستأثر والجازع»، ولعل هذا أصدق وصف لما كان بين عثمان والناقمين عليه، وهو كذلك أصدق وصف للأمويين والعباسيين، والناقمين عليهم من الشيعيين.
أدب الشيعة:
في الحق أن حركة التشيع أغنت الأدب العربي إلى حد كبير، وكان الأدب الناتج عنها أدبا غزيرا قويا؛ وسبب ذلك أن الموقف الذي وقفه الشيعة من طبيعته أن يلهب العاطفة ويهيجها ويثيرها، والعاطفة أكبر دعامة من دعائم الأدب، فإذا أثيرت وهاجت وكان بجانبها سلطان طلق، وبيان ناصع، فهناك الأدب الحي والقول الساحر.
وكان للشيعة عاطفتان بارزتان قويتان يرجع إليهما النتاج الأدبي الشيعي عاطفة الغضب، وعاطفة الحزن؛ فأما الغضب فإنهم اعتقدوا أنهم سلبوا حقهم وغصبوه، وأخذ منهم ظلما وعدوانا، فغضبوا لذلك، ودعتهم ثورة الغضب أن يقولوا وأن يقولوا كثيرا في هجاء غاصبهم، وفي بيان حقهم، وفي شرح مظلمتهم، وفي وجهة نظرهم، وفي إظهار حججهم، إلى غير ذلك. وأما عاطفة الحزن فإن الدولتين العباسية والأموية أخذتاهم بالعنف، وعاملتاهم بأقسى مما يعامل الكفرة والملحدون؛ فمن حين إلى حين تحدثان فيهم مجزرة. ولا يكاد يجف منهم دم حتى يسيل دم، وتفننتا في ذلك، فقتل وصلب، وإحراق وتذرية، وإماتة بطيئة في السجون بحرمانهم من النور والهواء، والأكل والماء، وكل هذا وأقل منه يستنزف الدمع ويذيب القلب، وكل هذا وأقل منه ينطق الأبكم، فكيف إذا وقعت هذه الأحداث لنفس ثائرة ولسان طلق وبيان جزل. لقد بدأت هذه الأحداث بمجزرة الحسين وآل بيته، فكانت القصائد الباكية، والخطب الرائعة، والأقوال الدامية، صدى للدماء المسفوحة، والجثث المطروحة، وكانت ذكراها تبعث في كل جيل حزنا، فيبعث الحزن أدبا وتتابعت الأحداث فتتابع الأدب، فكان لنا من هاتين العاطفتين - الغضب والحزن - أدب حي غزير، فإن ثارت العاطفة الأولى أخرجت أدبا قويا ثائرا، وإن ثارت الثانية أخرجت أدبا حزينا باكيا، فاجتمع في أدبهم القوة والضعف، واللين والعنف.
والآن أعرض بشيء من التفصيل لهذا المعنى الإجمالي:
الأدب الشيعي أنواع مختلفة، فمن ذلك نوع صدر من أئمة الشيعة أنفسهم يحتجون فيه على خصومهم؛ وإذا قلت الشيعة في الدولة الأموية فأعني بهم شيعة بني هاشم، سواء كانوا علويين أو عباسيين، لأنهم كانوا في ذلك عصبة واحدة ضد الأمويين، أما إذا قلت الشيعة في العصر العباسي، فأعني بها العلويين وحدهم، لأن خصومهم كانوا العباسيين الذين حالفوهم أيام الأمويين، وخاصموهم أيام دولتهم.
فأئمة الشيعة قد وهبوا لسانا ناطقا وقولا عذبا، فأثرت عنهم الخطب الرنانة، والكتب التي تقرب من حد الإعجاز، والأجوبة القصيرة التي جمعت بين إصابة المعنى وإيجاز اللفظ.
وقد عرفت قريش عامة، والهاشميون خاصة، بقوة اللسان، وسحر البيان. قال أبو الحسن: «أسرع الناس جوابا عند البديهة قريش ثم بقية العرب»، وسئل أيضا علي عن قريش فقال: «أما بنو مخزوم فريحانة قريش، تحب حديث رجالهم (والزواج) في نسائهم؛ وأما بنو عبد شمس (ومنهم بنو أمية) فأبعدها رأيا، وأمنعها لما وراء ظهورها؛ وأما نحن (يعني بني هاشم) فأبذل لما في أيدينا وأسمح عند الموت بنفوسنا؛ وهم (بنو عبد شمس) أكثر وأمكر وأنكر، ونحن أفصح وأنصح وأصبح».
من أجل هذا أنتج النزاع بين البيتين القرشيين (البيت الهاشمي والبيت الأموي) ثم بين البيتين الهاشميين (العلوي والعباسي) هذا النتاج الباهر.
من أمثلة ذلك ما تجده في نهج البلاغة من كتب بين علي ومعاوية، وخطب لعلي في بيان حقه، وظلم الناس له، ونحو ذلك؛ وهي وإن كان بعضها موضوعا فبعضها الآخر رواه الثقات - على أن الموضوع منه أيضا أدب رفيع، في منتهى القوة والبلاغة، وإن شك فيه المؤرخ فلن يشك في قيمته الكبرى الأديب والبليغ، وكل ما يفعله الأديب إذا استعان بالمؤرخ أن ينسبه إلى العصر العباسي لا عصر علي، وذلك لا يقلل من قيمته الأدبية.