تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

112

وإلى زلزل الضارب، وبرصوما الزامر، ويقطع بختيشوع النصراني قوت أهل بلد، وبغا التركي والأفشين الأشروسني كفاية أمة ذات عدد؛ والمتوكل - زعموا - يتسرى باثني عشر ألف سرية، والسيد من سادات أهل البيت يتعفف بزنجية أو سندية! وصفوة مال الخراج مقصور على أرزاق الصفاعنة،

113

وعلى موائد المخاتنة، وعلى طعمة الكلابين، ورسوم القرادين. ويبخلون على الفاطمي بأكلة أو شربة، ويصارفونه على دانق وحبة، ويشترون العوادة بالبدر، ويجرون لها ما يفي برزق عسكر، والقوم الذين أحل لهم الخمس وحرمت عليهم الصدقة، وفرضت لهم الكرامة والمحبة، يتكففون ضرا، ويهلكون فقرا، ويرهن أحدهم سيفه، ويبيع ثوبه، وينظر إلى فيئه بعين مريضة، ويتشدد على دهره بنفس ضعيفة ... ومثالب بني أمية مع عظمها وكثرتها، ومع قبحها وشناعتها، صغيرة وقليلة في جانب مثالب بني العباس الذين بنوا مدينة الجبارين، وفرقوا في الملاهي والمعاصي أموال المسلمين ... فإن تجامل علينا وزير أو أمير فإنا نتوكل على الأمير الذي لا يعزل، وعلى القاضي الذي لم يزل يعدل».

114 •••

أما بعد، فقد كانت ساحة البلاد الإسلامية مجالا للدسائس والفتن والحروب المستمرة من وفاة رسول الله

صلى الله عليه وسلم

تقريبا إلى آخر العصر الذي نؤرخه بعده، من غير أن يحسم النزاع بين الشيعة ورجال الدولة؛ فلا الشيعيون يعدلون عن مطالبهم وتنفيذ خطتهم، ولا الساسة بالطبع يستسلمون لمطالب الشيعة، ولا يعالجونها في رفق وهوادة؛ ومهما بالغت في عظم ما أنفق الفريقان من الرءوس والأموال والتفكير والفتن والخطط، فلست ببالغ قدره؛ وظني أن لو اجتمعت كلمة المسلمين وقدر الجهد الذي بذل في إخضاع العلويين لبني أمية وبني العباس، أو إخضاع الأمويين والعباسيين للعلويين - لكان جهدا يكفي لفتح أكثر العالم وإخضاعه للمسلمين، ولكان يتغير وجه التاريخ تغيرا تاما، ويكتب كله من جديد على نمط آخر. ولكن شهوة الحكم دائما في كل عصر تفرق الكلمة، وتضيع وحدة الأمة، وتحل قوتها، وتضعف مرتها، وتفرق بين الابن وأبيه، والأخ وأخيه؛ والأحداث الناتجة عن شهوة الحكم هي التي تملأ دائما صفحات التاريخ في القديم والحديث، وفي استطاعة العقل دائما أن يوجد الأسباب المعقولة للشيء وضده؛ فقد تسمع الحجج من الشيعة فتظن أن الحق معهم والباطل مع خصومهم، وتسمع حجج الأمويين والعباسيين فكذلك.

ولو عقل الناس ما قبلوا حجج هؤلاء ولا هؤلاء، ولكان أحق الناس بالحكم أصلحهم، ولو كان عبدا حبشيا، سواء كان من نسل الرسول

صلى الله عليه وسلم

في شرفه ورفعته، أو من نسل نجار أو حلاق في حقارته وضعته، لأن خير الناس أنفعهم للناس، ومن كل بيت مهما علا ينتج الصالح والفاسد، والخير والشرير؛ وحكم الناس صناعة ككل الصناعات ينبغ فيها النابغ، وينبغ من أوساط مختلفة من غير أن نعرف في وضوح قوانين نبعه ونبوغه.

ولكن هذه النظر مع بساطته وسلامته لم يكثر مقتنعوه، لأن البيوت الأرستقراطية لا ترتضيه، ولأنه - مع الأسف - سهل نظريا، أصعب ما يكون عمليا، فمن هو أصلح الناس؟ وإذا عثرنا عليه فكيف نقيمه، وكيف نختار أهل الحل والعقد لحمايته وكيف يحمونه، بل كيف يحمون أنفسهم؟ إلخ.

كم فكر المسلمون قديما في هذا وأمثاله، وكان الحل سهلا، والتنفيذ صعبا، وعلى هذا الخلاف وحده كانت كل الثورات بين الشيعة وخصومهم.

فإن أنت سألت أي الفريقين كان على حق في هذا النزاع؟ لم تكن الإجابة هينة؛ هؤلاء الشيعة يحكمون عاطفة شريفة نبيلة، هي عاطفة الحنو على أهل بيت رسول الله والعطف عليهم، هي عاطفة حب للرسول تبعها حب لنسله، وأداهم هذا الحب إلى أن يقولوا حكمنا رسول الله فليحكمنا نسله - وفي هذا جمال العاطفة وإن لم يكن فيه جمال المنطق - وقال خصومهم: إن الحب شيء والحكم شيء، وليس الحكم مالا يورث، ولا تركة توزع حسب الفريضة، إنما هي أهلية وزعها الله على الناس، فقد تخرج الكفاية من بيت وضيع، ولا تخرج من بيت رفيع؛ وإذا كان المنصب من مناصب الدولة كالقضاء، والوزارة، والكتابة لا تورث لأنها تستوجب أهلية خاصة، فالخلافة أولى لأن عبئها أشد ومسئوليتها أعظم؛ وفي هذا القول جمال المنطق، وإن لم يكن فيه جمال العاطفة؛ فكل حزب نظر من ناحيته فقط، فأسرف في الحكم على الآخر، وكان في كل فريق من يلقي على النار وقودا يزيد اشتعالها.

ضحى الإسلام · الصفحة ٤٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٤٢٢