أن المأمون كان معتزليا على مذهب معتزلة بغداد، وهم يرون أن عليا أولى بالخلافة حتى من أبي بكر وعمر، فذريته من بعده أحق؛ فأراد أن يحقق مذهبه وينقل الخلافة إليهم. (3)
أنه كان تحت تأثير الفضل بن سهل والحسن بن سهل وهما فارسيان، والفرس يجري في عروقهم التشيع، كما كان الشأن في بيت البرامكة أيام الرشيد، فمازالوا بالمأمون يلقنانه آراءهما حتى أقرها ونفذها. (4)
أنه رأى أن عدم تولي العلويين للخلافة يكسب أئمتهم شيئا من التقديس، فإذا ولوا الحكم ظهروا للناس وبان خطؤهم وصوابهم فزال عنهم هذا التقديس.
وأغلب ظني أن المأمون كان مخلصا في عمله صادقا في تصرفه، وقد زوج المأمون عليا الرضا هذا بنته، وزوج محمد بن علي بنته الأخرى، ولكن شاء القدر أن يموت علي الرضا سريعا، بعد أن ولاه المأمون عهده، وبعد أن مرض أياما ثلاثة، فادعوا أن المأمون سمه لثورة بغداد، وما أكثر ادعاء الشيعة بسم أئمتهم، وهذا بعيد؛ فالمؤرخون يروون حزن المأمون الشديد عليه ، كما يروون أن المأمون بعد موته وبعد انتقاله إلى بغداد ظل يلبس الخضرة (وهو شعار العلويين) تسعة وعشرين يوما، ويلزم القواد بلبسها، فلما رأى كراهية البيت العباسي لها ودسهم الدسائس في ذلك اضطر أن يغيرها إلى السواد (وهو الشعار العباسي)، فإن كان حقا قد سم، يكون قد سمه أحد غير المأمون من دعاة البيت العباسي.
وقد حكى ابن عبد ربه في العقد الفريد مناظرة طويلة جرت بين المأمون وجملة من جلة العلماء، ذهب فيها المأمون إلى تفضيل علي على أبي بكر وعمر وأحقيته للخلافة دونهما.
ومع هذا كله ظل المأمون يعطف على العلويين رغم كثرة خروجهم، فكان مما أوصى به المعتصم أن قال: «وهؤلاء بنو عمك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فأحسن صحبتهم، وتجاوز عن مسيئهم، وأقبل من محسنهم، وصلاتهم فلا تغفلها في كل سنة عند محلها، فإن حقوقهم تجب من وجوه شتى».
109
وفي عهد المعتصم خرج محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب في خراسان، فبعث إليه عبد الله بن ظاهر بجيش هزمه، ثم قبض على محمد بن القاسم وبعث به إلى المعتصم، فأودع السجن، ثم هرب ولم يعرف له خبر؛ وكان محمد من أهل العلم يذهب مذهب الاعتزال من القول بالعدل والتوحيد.
وهكذا كان كما قال ابن الرومي:
لكل أوان للنبي محمد
قتيل زكي بالدماء مضرج
هذا ما فعله العباسيون مع أئمة الطالبيين، ولم يكن تنكيلهم بمن تشيع من عامة الناس بأقل من ذلك، فأبو مسلم الخراساني سلط أعوانه على آل أبي طالب «يقتلهم تحت كل حجر ومدر، ويطلبهم في كل سهل وجبل»، وملئت سجون المنصور والرشيد بالعلويين ومن تشيع لهم، «ويموت إمام من أئمة الهدى فلا تتبع جنازته، ولا تخصص مقبرته، ويموت (ماجن للعباسيين) أو لاعب أو مسخرة أو ضارب، فتحضر جنازته العدول والقضاة، ويعمر مسجد التعزية عنه القواد والولاة، ويسلم فيهم من يعرفونه دهريا أو سوفسطائيا، ولا يتعرضون لمن يدرس كتابا فلسفيا أو مانويا، ويقتلون من عرفوه شيعيا ، ويسفكون دم من سمى ابنه عليا.. ويتكلم بعض شعراء الشيعة في ذكر مناقب الوصي، بل في ذكر معجزات النبي، فيقطع لسانه، ويمزق ديوانه، كما فعل بعبد الله بن عمار البرقي، وكما نبش قبر منصور النمري: حتى إن هارون والمتوكل كانا لا يعطيان مالا ولا يبذلان نوالا إلا لمن شتم آل أبي طالب، ونصر مذهب النواصب، مثل مروان بن أبي حفصة الأموي، ومن الأدباء مثل عبد الملك بن قريب الأصمعي.. يقتلون بني عمهم جوعا وسغبا، ويملأون ديار الترك والديلم فضة وذهبا؛ يستنصرون المغربي والفرغاني، ويجفون المهاجري والأنصاري؛ ويولون أنباط السواد وزارتهم، وقلف
110
العجم والطماطم
111
قيادتهم، ويمنعون آل أبي طالب ميراث أمهم، وفيء جدهم؛ يشتهي العلوي الأكلة فيحرمها، ويقترح على الأيام الشهوة فلا يطعمها، وخراج مصر والأهواز، وصدقات الحرمين والحجاز، تصرف إلى ابن أبي مريم المديني، وإلى إبراهيم الموصلي، وابن جامع السهمي،