أسلم المنصور البلاد، وهي وحدة لم يشذ عنها إلا الأندلس، وهي هادئة مطمئنة لا تؤذن بفتن ذات بال، والخزائن مملوءة بالمال، والعرب من سكان المملكة آخذون في الانكماش، قد ضعف سلطانهم ونفوذهم، والموالي يطاردونهم ليحصروهم في جزيرة العرب، بدوا كما كانوا في الجاهلية، ويحلون محل العادات العربية عادات فارسية، ومحل البساطة في العيش العربي التعقد في العيش الحضري. وعلى الجملة فقد طرأ دور آخر يجد فيه الخليفة والناس على أثره وقتا للفراغ والجدة، ومصدرا خصبا للترف والنعيم.
أخذ الناس يشعرون بعد موت المنصور بشيء من الراحة، وقد أجهدوا أنفسهم في عهده بما يتطلبه تأسيس دولة من مشقة، وتذليل صعوبات جمة، وملوا الإفراط في الجد والاقتصاد اللذين اتصف بهما المنصور، وتطلعوا لحياة فيها سعة في المال، وطرف من النعيم؛ فوجدوا ذلك في الخليفة «المهدي». وفي الحق إن السنوات العشر التي حكمها كانت جسرا بين حياة الجد والجفاف، والعمل في عصر المنصور، وحياة الترف والنعيم في عصر الرشيد ومن بعده.
كان المهدي سخيا كريما؛ فتنفس الناس من شح المنصور. لقد خلف المنصور أربعة عشر مليون دينار، وستمائة مليون درهم،
11
ففرقها المهدي في الناس، سوى ما جبي في أيامه. وكثرة المال في كل جيل وفي كل عصر داعية الترف والنعيم، واللهو واللعب، ومن ثم أخذ الناس يقدرون فضيلة الكرم تقديرا أعلى مما كانوا يقدرونه في عصر المنصور، وأخذوا يذمون البخل ذما شنيعا، ويقصون عن البخلاء قصصا فكهة لاذعة، ربما كان من آثارها وضع الجاحظ لكتاب «البخلاء».
اجتمع في المهدي حب للفنون الجميلة، وميل شديد إلى الكرم؛ فجرى الناس على أثره، وأنفقوا الأموال على الفنانين فرقي الفن، وبدأ ينتشر بين طبقات الشعب. أخذ المهدي يجلس للمغنين، ويسمع غناءهم بعد أن كان أبوه المنصور يستلذ الحداء، فيحدثنا «الأغاني» «أن المهدي كان يسمع المغنين جميعا، ويحضرون مجلسه فيغنونه من وراء الستارة لا يرون له وجها»، إلا فليح بن أبي العوراء «فقد سأله في بيتين أن ينادمه فأحضره مجلسه بين أهله ومواليه، فكان فليح أول من عاين وجهه في مجلسهم.»
12
ويقول صاحب كتاب أخلاق الملوك: «كان المهدي في أول أمره يحتجب عن الندماء متشبها بالمنصور نحوا من سنة، ثم ظهر لهم فأشار عليهم «أبو عون» بأن يحتجب عنهم، فقال «المهدي»: إليك عني يا جاهل إنما اللذة في مشاهدة السرور، وفي الدنو ممن سرني، فأما من وراء وراء فما خيرها ولذتها؟»
13
وأثاب على ذلك الأمور الكثيرة، على عكس أبيه؛ «فقد كان المنصور لا يثيب أحدا من ندمائه وغيرهم درهما، فيكون له رسما في ديوان، ولم يقطع أحدا ممن كان يضاف إلى ملهية أو ضحك أو هزل موضع قدم من الأرض. أما المهدي فكان كثير العطايا يواترها، قل من حضره إلا أغناه.»
14
وحسبك بالمهدي أنه تخرج في قصره ولداه زينة الدنيا، وبهجة عصرهما في الظرف والغناء: إبراهيم بن المهدي وعلية بنت المهدي.
وكان كذلك يحب القيان، ويحب الحديث عن النساء في غير دعارة، ذكر الجاحظ: «أن المهدي كان يحب القيان وسماع الغناء، وكان معجبا بجارية يقال لها «جوهر»، كان اشتراها من مروان الشامي، وله فيها شعر.»
15
وقد اتفق صاحب الأغاني والطبري على أنه لم يكن يشرب النبيذ، ولكنه في هذا أيضا خطا خطوة أخرى وراء أبي جعفر؛ فقد رأينا المنصور لا يشربه، ولا يسمح لأحد أن يشربه على مائدته. أما المهدي فيذكر الطبري أنه ما كان يشربه، ولكن لا تحرجا، بل كان لا يشتهيه، وكان أصحابه يشربون عنده بحيث يراهم، وكان وزيره يعقوب بن داود يعظه في ذلك، ويلح عليه في حسمه عن السماع، وإسقائه النبيذ، ويهدده بالتخلي عن منصبه، والمهدي يحتج بأن عبد الله بن جعفر كان يسمع.
16
كذلك كان المهدي مترفا في ملبسه ومأكله، يحمل إليه الثلج إلى مكة وهو يحج! وكان أول خليفة فعل ذلك.