تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حتى إذا انتقلت الخلافة لأبي جعفر المنصور، بدأ محمد بن عبد الله النفس الزكية يتحرك، وبايعه أشراف بني هاشم، وكان أول أمره يتخفى ولا يعلم مكانه، ثم أظهر أمره «وتبعه أعيان المدينة، ولم يتخلف عنه إلا نفر يسير، ثم غلب على المدينة وعزل عنها أميرها من قبل المنصور، ورتب عليها عاملا وقاضيا، وكسر أبواب السجون وأخرج من بها واستولى على المدينة»، وأخذ هو والمنصور يتكاتبان، «فكتب كل واحد منهما إلى صاحبه كتابا نادرا من محاسن الكتب»، وقد احتج كل في كتابه بحقه في الخلافة وفضله على خصمه - والكتابان - حقا - يرياننا حجج كل فريق، وما كان يدور في نفوس العلويين والعباسيين، وشعور كل نحو الآخرين، فهما في الحق وثيقتان من أهم الوثائق نلخص ما فيهما لطولهما.

92

كتب المنصور أولا إلى محمد بن عبد الله يعرض عليه الأمان هو وولده وإخوته ومن بايعه وتابعه، وأن يعطيه ألف ألف درهم، ويتركه ينزل حيث شاء ويقضي حاجاته، ويطلق من سجنه من فيه من أهل بيته وشيعته وأنصاره، ويترك له الخيار في اختيار من أحب لأخذ الميثاق بهذا وكتابة العهد الذي يرضاه.

فكتب إليه محمد بن عبد الله كتابه يقول فيه: «إن الحق حقنا، وإنكم إنما طلبتموه بنا ونهضتم فيه بشيعتنا ... وإن أبانا عليا كان الوصي والإمام فكيف ورثتموه دوننا ونحن أحياء، وقد علمت أن ليس أحد من بني هاشم يمت بمثل فضلنا ولا يفخر بمثل قديمنا وحديثنا ونسبنا وسببنا ... وأنا بنو أم رسول الله فاطمة بنت عمرو

93

في الجاهلية، وبنو ابنته فاطمة في الإسلام، من بينكم، فأنا أوسط بني هاشم نسبا، وخيرهم أما وأبا، ولم تلدني العجم ولم تعرق في أمهات الأولاد،

94

وأن الله تبارك وتعالى لم يزل يختار لنا، فولدني من النبيين أفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أصحابه أقدمهم إسلاما وأوسعهم علما، وأكثرهم جهادا، علي بن أبي طالب، ومن نسائه أفضلهن خديجة بنت خويلد أول من آمن بالله وصلى القبلة،

95

ومن بناته أفضلهن وسيده نساء أهل الجنة، ومن المولودين في الإسلام الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. ثم قد علمت أن هاشما ولد عليا مرتين،

96

وأن عبد المطلب ولد الحسن مرتين،

97

وأن رسول الله ولدني مرتين، من قبل جدي الحسن والحسين، فمازال الله يختار لي حتى اختار لي في النار، «فولدني أرفع الناس درجة في الجنة وأهون أهل النار عذابا،

98

فأنا ابن خير الأخيار وابن خير الأشرار إلخ». ثم يعرض على المنصور الأمان كما عرض عليه ويذكره بما نقض من عهود.

فأجابه المنصور رادا على حججه حجة حجة، فما قال: «بلغني كلامك فإذا جل فخرك بالنساء، لتضل به الجفاة والغوغاء. ولم يجعل الله النساء كالعمومة ولا الآباء كالعصبة ... ولقد علمت أن الله تبارك وتعالى بعث محمد

صلى الله عليه وسلم

وعمومته أربعة. فأجابه اثنان أحدهما أبى،

99

وكفر اثنان أحدهما أبوك

100 .... فأما ما ذكرت من فاطمة أم أبي طالب فإن الله لم يهد أحدا من ولدها للإسلام، وأما ما ذكرت من فاطمة أم الحسن وأن هاشما ولد عليا مرتين، وأن عبد المطلب ولد الحسن مرتين، فخير الأولين والآخرين محمد رسول الله لم يلده هاشم إلا مرة واحدة، ولم يلده عبد المطلب إلا مرة واحدة؛ وأما ما ذكرت من أنك ابن رسول الله فإن الله عز وجل أبى ذلك فقال:

ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين

ولكنكم بنو ابنته، وإنها لقرابة قريبة، غير أنها امرأة لا تحوز الميراث ولا يجوز أن تؤم، فكيف تورث الإمامة من قبلها، ولقد طلب بها أبوك بكل وجه فأخرجها تخاصم، ومرضها سرا، ودفنها ليلا، فأبى الناس إلا تقديم الشيخين

101 .... وأفضي أمر جدك إلى أبيك الحسن، فسلمه إلى معاوية بخرق ودراهم، وأسلم في يديه شيعته ... فإن كان لكم فيها شيء فقد بعتموه؛ فأما قولك إن الله اختار لك في الكفر فجعل أباك أهون أهل النار عذابا، فليس في الشر خيار ... وأما قولك إنك لم تلدك العجم ولم تعرق فيك أمهات الأولاد، وإنك أوسط بني هاشم نسبا وخيرهم أما وأبا، فقد رأيتك فخرت على بني هاشم طرا، وقدمت نفسك على من هو خير منك أولا وآخرا وأصلا وفصلا، فخرت على إبراهيم ابن رسول الله،

ضحى الإسلام · الصفحة ٤١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٤١٧