تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومع هذا فكان من إحكام خطة العباسيين أنهم لم يكونوا يصرحون عند دعوتهم في كثير من المواقف باسم الإمام ليتجنبوا انشقاق الهاشميين بعضهم على بعض.

وأما بيت العباس فأولهم العباس عم النبي، ثم ابنه عبد الله بن عباس، وقد ناصر عليا أولا، ثم تحول إلى معاوية وسالم الأمويين، وإن كرههم في أعماق نفسه؛ وكذلك كان ابنه علي بن عبد الله بن العباس الملقب بالسجاد، ذهب في أيام عبد الملك بن مروان إلى دمشق وأقام بها، ثم أساء إليه الوليد ابن عبد الملك بعده فتحول إلى الحميمة (بلدة من أعمال البلقاء بالشام) وبها مات سنة 118ه. ثم أتى ابنه محمد بن علي فتظاهر بمشايعة العلويين، ثم قيل بعد أبي هاشم العلوي إليه فكان ذلك بدء الدعوة العباسية. وكان من أخباره ما تقدم ذكره حتى استولى السفاح سنة 132 وهو أول الخلفاء العباسيين. •••

وما بدأ الملك يستقر للعباسيين حتى غضب عليهم العلويون، وشعر العباسيون بأنهم حديثو عهد الدولة، أنهم في حاجة إلى الشدة والقسوة لتدعيم ملكهم، فقسوا عليهم بأكثر مما قسا الأمويون، ثم كانوا أعرف بالعلويين وأساليبهم يوم خالطوهم وحالفوهم للعمل ضد الأمويين، فكانوا أقدر على تتبعهم ومعرفة مكايدهم ومنازلتهم بمثل أساليبهم. وانكشف الأمر عن معسكرين آخرين كلاهما من بني هاشم، معسكر العلويين أو الطالبيين، ومعسكر العباسيين؛ الأولون يدلون بعلي بن أبي طالب ابن عم النبي

صلى الله عليه وسلم

وزوج ابنته فاطمة، والآخرون يدلون بجدهم العباس عم النبي

صلى الله عليه وسلم ؛ واحتدم القتال بينهم سرا وجهرا، وعادت المسألة سيرتها الأولى بل أشد، ورأوا أن نار الأمويين كانت جنة إذا قيست بنار العباسيين.

ياليت جور بني مروان عاد لنا

يا ليت عدل بني العباس في النار

وحكى الأغاني أن أبا عدي العبلي (وهو شاعر أموي)، قال في ابتداء حكم بني العباس قصيدته المشهورة في رثاء بني أمية:

تقول أمامة لما رأت

نشوزي عن المضجع الأنفس

وقلة نومي على مضجعي

لدي هجعة الأعين النعس

أبي! ما عراك؟ فقلت الهموم

منعن أباك فلا تبلسي

إلى آخر القصيدة.

فقصد الشاعر عبد الله والحسن ابنا الحسين (الإمامان العلويان) واستنشداه هذه القصيدة فأنشدها، فلما أتى عليها بكى محمد بن عبد الله بن حسن؛ فقال له عمه الحسن بن حسن: أتبكي على بني أمية وأنت تريد ببني العباس ما تريد؟ فقال: والله يا عم لقد كنا نقمنا على بني أمية ما نقمنا، فما بنو العباس إلا أقل خوفا لله منهم، وإن الحجة على بني العباس لأوجب منها عليهم، ولقد كانت للقوم (يعني بني أمية) أخلاق ومكارم وفواضل ليست لأبي جعفر (أي المنصور)، فأعطوا أبا عدي مالا كثيرا وانصرفوا.

87 •••

كانت أكبر حجة للعلويين على الأمويين هي قرابة العلويين لرسول الله

صلى الله عليه وسلم

فجاء العباسيون ينازعونهم هذه الحجة، وبدأوا بالاعتزاز بالقرابة فقط، فلما خاصمهم العلويون قال العباسيون إنهم أقرب منهم، فالعباسيون ينتسبون إلى العباس عم النبي

صلى الله عليه وسلم ، والعلويون إلى علي، ابن عم النبي، والعم أقرب من ابن العم.

من ذلك أن أبا العباس السفاح لما بويع بالخلافة صعد المنبر وصعد داود بن علي (أحد البيت العباسي) فقام دونه، فتكلم أبو العباس فكان مما قاله: «الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه، فكرمه وشرفه وعظمه، واختاره لنا وأيده بنا، وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والقوام به، والذابين عنه والناصرين له، وألزمنا كلمة لا تقوى وجعلنا أحق بها وأهلها،

وخصنا برحم رسول الله وقرابته، وأنشأنا

من آبائه، وأنبتنا من شجرته، واشتقنا من نبعته، جعله من أنفسنا عزيزا عليه ما عنتنا، حريصا علينا، بالمؤمنين رءوفا رحيما، ووضعنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع، وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتابا يتلى عليه، فقال عز من قائل فيما أنزل من محكم القرآن:

ضحى الإسلام · الصفحة ٤١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٤١٥