صفا الجو لمعاوية بقتل علي، وحمله الحسن بن علي أن ينزل عن الخلافة ويترك له الأمر، فتم له ذلك، وصانع بني هاشم وكبار الصحابة وأبناءهم، ورهب ورغب، فاجتمعت كلمة أكثر الناس له.
ولكن العلويين سكتوا على مضض حتى تولى يزيد، فخرج عليه الإمام العلوي الحسين بن علي، فقتله يزيد، وارتكب الشناعات في أبناء فاطمة، ومن بقي منهم حيا بعد نكبة كربلاء كان أكثرهم أطفالا لا يصلحون لقيادة، فمنهم من سكت على مضض ينتظر الزمن في إنضاج الأطفال، ومنهم من بايع ابن علي من غير فاطمة وهو محمد بن الحنفية.
وتستر الشيعة وأخذوا يعملون في الخفاء واصطنعوا مبدأ التقية.
ثم خرج المختار الثقفي يطالب بدم الحسين، وتحرك كثير من أهل العراق لمشايعته، وذلك في عهد عبد الملك بن مروان، فاستعمل الحجاج على العراق فعسف بالناس وخاصة الشيعة، ونكل بهم تنكيلا.
وقد رأينا قبل ما فعل هشام بن عبد الملك بزيد بن علي، وما فعل الوليد بن يزيد بيحيى بن زيد.
ولقي سليمان بن عبد الملك أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية (بن علي بن أبي طالب)، فرأى منه ذكاءه ودهاءه، فبعث إليه من سمه في طريقه؛ فلما أحس أبو هاشم بالسم قيل إنه عهد بالأمر من بعده إلى أحد آل البيت العباسي، وهو محمد بن علي بن عبد الله بن عباس؛ فكان هذا مبدأ تحول الأمر من بيت علي إلى بيت العباس.
وكان الأمويون أقل مراقبة لبني العباس منهم لبني علي، ولذلك تمكن العباسيون من بث الدعوة، فكان دعاتهم يتظاهرون بالتجارة ويبثون الدعوة سرا.
فلما مات محمد بن علي سنة 124 أوصى بالأمر لابنه إبراهيم، فاستعمل إبراهيم أبا مسلم الخراساني ليكون رئيسا لدعاته، فقبض مروان بن محمد علي إبراهيم وقتله، وقبل قتله عهد بالأمر من بعده إلى أخيه أبي العباس عبد الله بن محمد الملقب بالسفاح، رأس الدولة العباسية.
هذه خلاصة موجزة لما نكب به الأمويون أئمة العلويين، يضاف إلى هذا نكباتهم للأفراد الذين شعروا منهم بالتشيع، كقتل معاوية حجر بن عدي الكندي، وقتل زياد ابن أبيه الألوف من شيعة الكوفة والبصرة، وتبعه ابنه عبيد الله بن زياد في ذلك، فقتل هانئ بن عروة المرادي، ومسلم بن عقيل الهاشمي وغيرهما.
ولما نازع عبد الله بن الزبير عبد الملك بن مروان في الملك، واستولى ابن الزبير على بعض الأصقاع، سار في شيعة العلويين سيرة الأمويين، فقتل المختار الثقفي وكثيرا من أتباعه، وحبس محمد بن الحنفية؛ وفعل الحجاج بالشيعة لأفاعيل حتى خشي الناس أن يسموا أبناءهم أسماء أهل البيت.
كل هذا وأمثاله كان من الأسباب الكبرى لسخط هذا الفريق على الأمويين، وتكاتفهم على إسقاط دولتهم؛ وتضاف إلى ذلك أسباب أخرى لا تهمنا في موضوعنا.
فبدأت الدعوة للخروج على الأمويين، وكان أهم مركز لها خراسان والعراق، وكان الدعاة يستغلون ما فعل الأمويون ببني هاشم، وما ارتكبوه من الفظائع لتشويه سمعتهم، كهتك حرمة المدينة في عهد يزيد بن معاوية، وإباحة مكة في عهد عبد الملك:
طمعت أمية أن سيرضى هاشم
عنها ويذهب زيدها وحسينها
كلا ورب محمد وإلهه
حتى يبيد كفورها وخئونها
لقد اتفق بنو هاشم علي الكيد لبني أمية، وتحالفوا على الخروج عليهم، وعقدوا المجالس يتذاكرون فيها أمر بني أمية، وظلمهم واضطراب أمرهم، وكره الناس لهم، ومحبتهم لبني هاشم، ويدبرون الأمور لبث الدعوة وقلب الدولة.
وبنو هاشم فرعان: فرع علي، وفرع العباس؛ فأما فرع علي فتسلسل في ولديه الحسن ثم الحسين، ثم افترقوا فرقا أهمها ثلاث: فرقة سلسلتها في أولاد الحسن، لأنه أكبر أولاد علي؛ وفرقة سلسلتها في أولاد الحسين، لأن الحسن قد سلم الخلافة إلى معاوية فأضاع حق أولاده؛ وفرقة جعلتها في ابن علي من غير فاطمة، وهو المعروف بمحمد بن الحنفية، لأن الحق آل إليه بعد وفاة أبيه وأخويه، ثم انتقلت منه إلى ابنه أبي هاشم عبد الله؛ وهنا تحولت فيما يقول العباسيون إلى بيت العباس بتنازل أبي هاشم لمحمد بن علي العباسي.