84
وهم في تعاليمهم أقرب إلى أهل السنة، فلا يقولون بالتقية، ولا يتبرأون من أبي بكر وعمر ولا يلعنوهما، ولا يقولون بعصمة الأئمة، ولا يقولون باختفائهم.
وهم يشترطون الاجتهاد في أئمتهم، فلذلك كثير فيهم الاجتهاد، وكثرت آراؤهم في الفقه، ونبغ منهم كثيرون من المجتهدين، كالإمام الداعي إلى الحق الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل، وقد ملك طبرستان من سنة 250-270 وله كتاب «الجامع في الفقه»، وكالقاسم بن إبراهيم العلوي الذي تولى على صعدة من بلاد اليمن 246-280، وهو الذي ينسب إليه كتاب الرد على ابن المقفع الذي نشر حديثا.
ومن أهم ما بين أيدينا من كتبهم كتاب «المجموع»
85
جمعت فيه الأحاديث التي رويت عن الإمام زيد والفتاوى مرتبة ترتيب الفقه، وقد ذكروا أنه أول كتاب جمع في الفقه على مذهب الزيدية، والروايات فيه كلها عن زيد عن آبائه من الأئمة؛ فيقول مثلا: حدثني زيد عن أبيه عن جده عن علي عليه السلام وأكثره على هذا النمط؛ وبعضه فتاوى سئل فيها زيد، مثل: سألت زيدا عن الرجل يكون له أقل من خمسين درهما، قال ليس عليه صدقة الفطر، وهكذا في كل أبواب الفقه - وبعض ما روي في هذا الكتاب عن زيد عن أبيه (علي زين العابدين) عن جده (الحسين) عن علي، يخالف ما يرويه الإمامية عن الإمام الباقر عن أبيه (علي زين العابدين) عن جده عن علي - ويعلل ذلك الزيدية بأن الرواة عن زيدهم عدول الزيدية الذين لا مطعن عليهم، والرواة عن الباقر هم الإمامية ولم تثبت لنا عدالتهم.
86
وهذا الكتاب يطلعنا على ناحيتين هامتين: إحداهما الأحاديث المروية عن أهل البيت من زيد إلى علي مرتبة ترتيبا فقهيا، وذلك يمكن من الإ طلاع على أصولهم التي بنوا عليها الأحكام؛ والثانية ترينا تشدد أهل البيت جميعا في عدم أخذ شيء من الأحكام ولا رواية الأحاديث إلا عن الأئمة، فلا تكاد تجد حديثا في هذا المجموع الكبير إلا ومرجعه الأخير زيد أو علي، لا شيء عن أبي بكر، أو عمر، أو ابن مسعود، أو غيرهم من الصحابة.
التاريخ السياسي للشيعة في هذا العصر : ولست أريد أن أدخل في تفاصيل التاريخ السياسي للشيعة، لأن هذا بكتب التاريخ السياسي أشبه؛ إنما أريد أن أ قتصر منه على ما يوضح الفرق والمذاهب، ويلقي ضوءا على ما ذكرنا قبل من تعاليم، فذلك وحده بموضوعنا أليق.
من وفاة رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، إلى آخر عصرنا الذي نؤرخه وإلى ما بعده وشيعة علي تتطلب له ولنسله، وترى أنهم أحق بها، وتاريخهم بين وثبة واستعداد للوثبة، والخلفاء يحذرونهم ويراقبونهم سرا وعلنا، وينكلون بهم تنكيلا شديدا، فلا يرجع الشيعة عن مطلبهم، ولا يغير الخلفاء سياستهم. وكانت حركتهم أيام أبي بكر وعمر وصدر من خلافة عثمان حركة هادئة نوعا ما، ثم عنفت وتدخل فيها السيف والدم فزادها عنفا. وفي عهد القتال بين علي ومعاوية انقسمت المملكة الإسلامية إلى معسكرين: معسكر العراق وهم شيعة علي، ومعسكر الشام وهم شيعة معاوية؛ وحتى بعد قتل علي واستيلاء معاوية وبيته على الملك ظل العراق - وخاصة الكوفة - شيعي النزعة، وظلت حركات الغلو في التشيع تنبع منه، كحركة عبد الله بن سبأ والمختار الثقفي؛ وانضم إلى حركة التشيع كثير من الموالي، وخاصة موالي الفرس لما بينا قبل من أسباب، فكانت فارس ولا سيما خراسان أميل إلى التشيع كالعراق.
وقف الأمويون من العلويين وقفة لا رحمة فيها، وقفة سياسية لا خلقية، والسياسي إذا نظر إلى العلويين رآهم إما ثوارا إن ظهروا، أو متآمرين على قلب الدولة إن اختفوا، والخلفاء الأمويون شباب تأخذهم الحدة وتملؤهم الحمية. ولم يكن من خلفاء بني أمية وأمرائهم من تقدمت به السن عند تولي الخلافة أو الإمارة، أو طالت أيامه في الخلافة والإمارة حتى أسن إلا الخليفة معاوية والأمير نصر بن سيار.