تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

وجدهم ميلا إليه، غير متئدة قلوبهم، ولا ساكنة أحلامهم، ولا مصونة عندهم أديانهم».

79

وهرب ابنه يحيي بن زيد إلى خراسان، وصار إلى بلخ، وأقام بها متواريا، يبث الدعاة، ويتهيأ للثورة؛ ثم خرج على الوليد بن يزيد، فأصيب بنشابة أصابت جبهته؛ فكتب الوليد إلى يوسف بن عمر أن انظر عجل العراق

80 (يعني يحيى) فاحرقه، ثم انسفه في اليم نسفا. فأنزله من جذعه الذي صلب عليه، وأحرقه بالنار، وجعله في قوصرة، ثم جعله في سفينة، ثم ذراه في الفرات؛ وكان ذلك سنة 125.

وقد كان قتل زيد وابنه يحيى على النحو الذي روينا سببا من أسباب زيادة البغض للأمويين والاستعداد للثورة عليهم.

وقد روى أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبين: أن أبا حنيفة كان ينصر زيدا ويميل إليه، وأنه أرسل إليه يقول: «إن لك عندي معونة وقوة على جهاد عدوك فاستعن بها أنت وأصحابك في الكراع والسلاح»، وبعث بمال إلى زيد فقبله منه.

81

وقال الزمخشري في الكشاف: «وكان أبو حنيفة يفتي سرا بوجوب نصرة زيد بن علي، وحمل المال إليه، والخروج معه على اللص المتغلب المتسمي بالإمام والخليفة».

82

ولم يجتمع حوله الشيعة كلهم لنصرته لما ذكرنا من أخلاق أهل الكوفة، ولأن كثيرا من الشيعة كانوا يقولون بإمامة أخيه محمد الباقر، ثم لابنه جعفر الصادق، ولأنه كان معتدلا في تشيعه اعتدالا لا يرضي الغلاة، «اجتمع إليه جماعة من رءوسهم، فقالوا رحمك الله ما قولك في أبي بكر وعمر؟ قال زيد: رحمهما الله وغفر لهما، ما سمعت أحدا من أهل بيتي يتبرأ منهما، ولا يقول فيهما إلا خيرا، قالوا: فلم تطلب إذا بدم أهل هذا البيت إلا أن وثبا على سلطانكم فنزعاه من أيديكم؟ فقال لهم زيد: إن أشد ما أقول فيما ذكرتم أنا كنا أحق بسلطان رسول الله

صلى الله عليه وسلم

من الناس أجمعين، وأن القوم استأثروا علينا ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا لهم كفرا، قد ولوا فعدلوا في الناس وعملوا بالكتاب والسنة؛ قالوا فلم يظلمك هؤلاء إذا كان أولئك لم يظلمون، فلم تدعو إلى قتال قوم ليسوا لك بظالمين؟ فقال إن هؤلاء ليسوا كأولئك، إن هؤلاء ظالمون لي ولكم ولأنفسهم، وإنما ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه

صلى الله عليه وسلم ، وإلى السنن أن تحيا وإلى البدع أن تطفأ، فإن أنتم أجبتمونا سعدتم، وإن أنتم أبيتم فلست عليكم بوكيل، ففارقوه ونكثوا بيعته ... وقالوا: جعفر إمامنا اليوم بعد أبيه، وهو أحق بالأمر بعد أبيه، ولا نتبع زيد بن علي فليس بإمام، فسماهم زيد الرافضة».

83

هذا زيد زعيم فرقة الزيدية، وقد ظل أتباعه يعملون من بعده حتى نجحوا في بعض البقاع كطبرستان واليمن، ولا يزال معظم بلاد اليمن من الزيدية إلى اليوم، ولا سيما في البلاد الجبلية.

تعاليمه:

قال الشهرستاني: «أتباع زيد بن علي ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة، ولم يجوزوا ثبوت إمامة في غيرهم (أي كمحمد بن الحنفية)، إلا أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم زاهد شجاع سخي خرج للإمامة يكون إماما واجب الطاعة، سواء كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين ... وزيد ابن علي لما كان مذهبه هذا المذهب أراد أن يحصل الأصول والفروع حتى يتحلى بالعلم، فتتلمذ في الأصول لواصل بن عطاء - رأس المعتزلة - مع اعتقاد واصل أن جده علي بن أبي طالب - في حروبه التي جرت بينه وبين أصحاب الجمل وأهل الشام - ما كان على يقين من الصواب، وأن أحد الفريقين منهما كان على الخطأ لا بعينه، فاقتبس منه الاعتزال، وصارت أصحابه كلها معتزلة؛ وكان من مذهبه (مذهب زيد) جواز إمامة المفضول مع قيام الأفضل (ومن أجل هذا صحح إمامة أبي بكر وعمر) ... ولما سمعت شيعة الكوفة هذه المقالة منه، وعرفوا أنه لا يتبرأ من الشيخين رفضوه حتى أتى قدره عليه فسميت رافضة؛ وجرت بينه وبين أخيه محمد الباقر مناظرة لا من هذا الوجه، بل من حيث يتتلمذ لواصل بن عطاء، ويقتبس العلم ممن كان يجوز الخطأ على جده في قتال الناكثين والقاسطين، ومن يتكلم في القدر على غير ما ذهب إليه أهل البيت، ومن حيث إنه (أي زيدا) كان يشترط الخروج شرطا في كون الإمام إماما حتى قال له يوما: «على قضية مذهبك، والدك ليس بإمام (يعني عليا زين العابدين) لأنه لم يخرج قط ولا تعرض للخروج».

ضحى الإسلام · الصفحة ٤١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٤١٢