تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ؛ ومن سماه القرآن وشهد له بالصدق والتصديق أولى ممن سماه الناس - إلى آخر المناظرة. كما حكى له مناظرات أخرى مع أبي حنيفة.

77

الزيدية

هم فرقة كبيرة من فرق الشيعة تتبع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب؛ مثل هو وهشام بن عبد الملك ثانية دور الحسين ويزيد بن معاوية؛ فقد كان زيد طموحا إلى الخلافة، نافرا مما يناله وقومه من ظلم الأمويين، وذهب إلى العراق لخصومة مالية - إذ كان قد ادعى عليه خالد بن عبد الله القسري زورا وديعة ستمائة ألف درهم، فألح عليه أهل الكوفة أن يخرج على الأمويين ووعدوه بالنصرة، وكان هشام يخشى جانبه، فأمر عامله على العراق، يوسف بن عمر الثقفي، ألا يدعه طويلا في العراق، فأمره يوسف بالرحيل، فخرج ثم عاد وبث دعاته، وعزم على الخروج على بني أمية. وكان زيد من قديم يرشح نفسه للخلافة ويكره الذل، ويرى أنه أحق بالأمر من هشام، قال مرة: «والله لا يحب الدنيا أحد إلا ذل»، فبلغت هشاما. وقال له هشام مرة: لقد بلغني يا زيد أنك تذكر الخلافة وتتمناها ولست هناك، وأنت ابن أمة (وكانت أمه سندية)، قال يا أمير المؤمنين: لقد كان إسحق بن حرة وإسماعيل ابن أمة، فاختص الله ولد إسماعيل فجعل منهم العرب، فمازالوا ذلك ينمي حتى كان منهم رسول الله. فلما كان في العراق سنة 121 نفذ خطته، وقد نصحه كثيرون ألا يفعل، نصحه سلمة بن كهيل، فقال له: نشدتك الله كم بايعك؟ قال زيد: أربعون ألفا، قال: فكم بايع جدك (الحسين)؟ قال ثمانون ألفا، قال: فكم حصل معه؟ قال: ثلاثمائة، قال: نشدتك الله أنت خير أم جدك؟ قال: جدي، قال: أفقرنك الذي خرجت فيه أم القرن الذي خرج فيه جدك؟ قال: بل القرن الذي فيه جدي، قال أفتطمع أن يفي لك هؤلاء وقد غدر أولئك بجدك؟ قال: قد بايعوني ووجبت البيعة في عنقي وأعناقهم. وكتب عبد الله بن الحسن إلى زيد يقول: «يا ابن عم! إن أهل الكوفة نفخ العلانية خور السريرة، هرج في الرخاء، جزع في اللقاء تقدمهم ألسنتهم، ولا تشايعهم قلوبهم، لا يبيتون بعدة في الأحداث، ولا ينوءون بدولة مرجوة، ولقد تواترت كتبهم إلي بدعوتهم، فصمت عن ندائهم، وألبست قلبي غشاء عن ذكرهم، يأسا منهم، وإطراحا لهم، وما لهم مثل إلا ما قال علي بن أبي طالب: «إن أهملتم خضتم، وإن حوربتم خرتم، وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم، وإن أجبتم إلى مشاقة نكصتم».

لم تفده تلك النصائح شيئا، وبعث الدعاة إلى أهل السواد وأهل الموصل، وكانت بيعته التي يبايع عليها الناس «إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه

صلى الله عليه وسلم

وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، وقسم هذا الفيء بين أهله بالسواء ورد المظالم، وإقفال المجمر

78

ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا وجهل حقنا، أتبايعون على ذلك؟ فإذا قالوا: نعم، وضع يده على يدهم».

ولبث على ذلك بضعة عشر شهرا، ثم أمر أصحابه بالخروج قبل الموعد المحدد لما أحس أن يوسف بن عمر يطلبه هو وأصحابه؛ فلما جد الجد تفرق عنه أكثر من بايعه، ولم يبق معه إلا ثلاثمائة أو أقل، وكانت بينهم وبين يوسف ابن عمر ملحمة ثبت فيها زيد ومن معه، حتى إذا جنح الليل رمي زيد بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى، فلما انتزع منه قضى، فأخذ رأسه وبعث به إلى هشام، فأمر به فنصب على باب مدينة دمشق، ثم أرسل إلى المدينة، ومكث البدن مصلوبا حتى مات هشام، ثم أمر به الوليد فأنزل وأحرق. وكان قتل زيد سنة 122.

كان زيد واسع العلم بالدين قوي الحجة. وصفه خصمه هشام بن عبد الملك فقال: رأيته «رجلا جدلا لسنا خليقا بتمويه الكلام وصوغه، واجترار الرجال بحلاوة لسانه وبكثرة مخارجه في حججه، وما يدلي به عند لدد الخصام من السطوة على الخصم بالقوة الحادة لنيل الفلج.. إن أعاره القوم أسماعهم فخشاها من لين لفظه وحلاوة منطقه مع ما يدلي به من القرابة برسول الله

ضحى الإسلام · الصفحة ٤١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٤١١