تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

74

فإذا صح ما ذكره الشهرستاني وغيره عن تتلمذ زيد لواصل، فلا يعقل كثيرا أن يتتلمذ واصل لجعفر.

وكثير من المعتزلة كان يتشيع، فالظاهر أنه عن طريق هؤلاء تسربت أصول المعتزلة إلى الشيعة.

وقد اشتهر من الشيعة كثير من المتكلمين من أشهرهم هشام بن الحكم، وشيطان الطاق.

فأما هشام بن الحكم، فيظهر أنه أكبر شخصية شيعية في علم الكلام، كان مولي لبني شيبان، وكان من تلاميذ جعفر الصادق، نشأ بالكوفة وحظي عند البرامكة لتشيعهم المستتر، بل اتصل بالرشيد نفسه، وكان جدلا قوي الحجة، ناظر المعتزلة وناظروه، ونقلت له في كتب الأدب مناظرات كثيرة متفرقة تدل على حضور بديهته وقوة حجته، «دخل يوما على بعض الولاة العباسيين، فقال رجل للعباسي: أنا أقرر هشاما بأن عليا كان ظالما، فقال له؛ إن فعلت ذلك فلك كذا، فقال له يا أبا محمد (كنية هشام) أما علمت أن عليا نازع العباس إلى أبي بكر؟ قال: نعم، قال: فأيهما كان الظالم لصاحبه؟ فتوقف هشام وقال: إن قلت العباس خفت العباسي، وإن قلت عليا ناقضت قولي، ثم قال: لم يكن فيهما ظالم، قال: فيختصم اثنان في أمر وهما محقان جميعا؟ قال: نعم، اختصم الملكان إلى داود وليس فيهما ظالم، إنما أرادا أن ينبهان على ظلمه، كذلك اختصم هذان إلى أبي بكر ليعرفاه ظلمه»، فأمسك الرجل.

75

وجاءه رجل ملحد فقال له: أنا أقول بالاثنين، وقد عرفت إنصافك فلست أخاف مشاغبتك؛ فقام هشام وهو مشغول بثوب ينشره وقال: حفظك الله، هل يقدر أحدهما أن يخلق شيئا لا يستعين بصاحبه عليه؟ قال: نعم، قال هشام. فما ترجو من اثنين؟ واحد خلق كل شيء أصح لك؛ فقال الرجل: لم يكلمني بهذا أحد قبلك.

وقد ناظر أبا الهذيل العلاف المعتزلي وروى عنه الخياط أنه كان يقول: إن أمة محمد ارتدت بعد وفاته، وخالفت أمره وبدلت حكمه، وأزالت خليفته عن مقامه إلخ.

76

ويظهر أنه كان يميل إلى الجبر، وله مع المعتزلة في ذلك مناظرات كما كان يميل إلى التجسيم، وحكي عنه في ذلك أقوال، والجاحظ يشتد عليه في المناقشة ويغضب في نقده غيرة على المعتزلة.

وعلى الجملة فقد كان له فضل كبير في صياغة الكلام على المذهب الشيعي، وألف كتبا كثيرة لم يصل إلينا شيء منها. قال ابن النديم «إنه توفي بعد نكبة البرامكة مستترا، وقيل في خلافة المأمون».

وأما

شيطان الطاق

فاسمه محمد بن النعمان، يسميه أهل السنة «شيطان الطاق»، ويسميه الشيعة مؤمن الطاق - من أصحاب جعفر الصادق كذلك.

والطاق محلة ببغداد، وكان صيرفيا ماهرا بمعرفة الدراهم والدنانير، فسموه شيطان الطاق لذلك. وقد حكي في «بحار الأنوار» مناظرة بينه وبين أبي خدرة؛ ذلك أن أبا خدرة كان يفضل أبا بكر على علي، وكان من الخوارج، وشيطان الطاق شيعي يفضل عليا؛ فاجتمع قوم من الخوارج وقوم من الشيعة بالكوفة عند أبي نعيم النخعي، فقال أبو خدرة الخارجي: إن أبا بكر أفضل من علي وجميع الصحابة بأربع خصال: فهو ثاني لرسول الله، دفن في بيته، وهو ثاني اثنين معه في الغار، وهو ثاني اثنين صلى بالناس آخر صلاة قبض بعدها رسول الله، وهو ثاني صديق من الأمة. فرد عليه شيطان الطاق وقال: يا ابن أبي خدرة، أترك النبي

صلى الله عليه وسلم

بيوته - التي أضافها الله إليه، ونهى الناس عن دخولها إلا بإذنه - ميراثا لأهله وولده، أو تركها صدقة على جميع المسلمين؟ فإن تركها ميراثا لولده وأزواجه فقد ترك تسع زوجات، فليس لعائشة إلا نصيب إحداهن (أي فلم يكن لها أن تدفن أبا بكر في بيته ونصيبها لا يسمح بذلك)، وإن كان تركها ميراثا لجميع المسلمين فإنه لم يكن له نصيب من البيت إلا كما لكل رجل من المسلمين؛ وأما قولك إنه ثاني اثنين إذ هما في الغار، فإن مكان علي في هذه الليلة على فراش النبي

صلى الله عليه وسلم

وبذل مهجته دونه أفضل من مكان صاحبك في الغار؛ وأما قولك في صلاته بالناس، فقد تقدم ليصلي بالناس في مرض رسول الله، فخرج النبي وتقدم وصلى بالناس وعزله عنها، ولو كان قد صلى بأمره لما عزله من تلك الصلاة؛ وأما تسميته الصديق فهو شيء سماه الناس، وقد أوجب الله عز وجل على صاحبك الاستغفار لعلي بن أبي طالب بقوله تعالى:

ضحى الإسلام · الصفحة ٤١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٤١٠