تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

69

على الجملة فقد كان الإمام جعفر من أعظم الشخصيات ذوي الأثر في عصره وبعد عصره، وقد مات في العام العاشر من حكم المنصور؛ ويروون أن المنصور سمه ولم يثبت ذلك، ودفن في البقيع بالمدينة مع أبيه الباقر وجده رحمة الله عليهم.

ومن أكبر رجال الشيعة

زرارة بن أعين . قال ابن النديم: «إنه أكبر رجال الشيعة فقها وحديثا ومعرفة بالكلام والتشيع؛ أبوه أعين كان عبدا روميا لرجل من بني شيبان تعلم القرآن ثم أعتقه؛ وجده سنبس كان راهبا في بلاد الروم»

70

صحب زرارة هذا أبا جعفر محمدا الباقر وابنه جعفر الصادق، ومات سنة 150ه، وله آراء كثيرة منثورة في كتب الكلام.

71 •••

على كل حال أهم ما يمتاز به تشريعهم بناؤه على أحاديث رويت عن أهل البيت، وكان كثير من هذه الأحاديث يصعب جمعها في عهد الأمويين لاضطهادهم العلويين، كالذي روينا من قبل من أمر معاوية للرواة ألا يذكروا شيئا من فضائل علي، وأن يستكثروا من فضائل عثمان، فكان بعض الجامعين للحديث يتقون الأمويين في شأن أحاديث أهل البيت، ولم يكن الحال في صدر الدولة العباسية بخير من هذا - وربما كان أكثر الكتب ذكرا لأحاديث أهل البيت مسند أحمد، ويذكر ابن خلكان في ترجمة النسائي (214-303) أنه صنف كتاب الخصائص في فضل علي بن أبي طالب وأهل البيت، وأكثر رواياته فيه عن أحمد بن حنبل، فقيل له: ألا تصنف كتابا في فضائل الصحابة فقال: «دخلت دمشق والمنحرف عن علي كثير، فأردت أن يهديهم الله بهذا الكتاب»، «وقد خرج إلى دمشق، فسئل عن معاوية وما روي من فضائله، فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأسا برأس حتى يفضل!.. وكان يتشيع فمازالوا يدفعون في حضنه حتى أخرجوه من المسجد ... ثم حمل إلى الرملة فمات بها».

72

فكان كثير من أحاديث أهل البيت ولم يرو في كتب أهل السنة لهذا السبب السياسي، ولسبب آخر وهو تزيد أصحابهم عليهم. فاستقل أهل البيت بأحاديثهم، وهم أيضا - من ناحيتهم - لم يشاءوا أن يرووا أحاديث الصحابة غير العلويين أمثال أبي بكر وعمر ومعاوية وعائشة لكرههم لهم، ولاعتقادهم أيضا أن أتباعهم تزيدوا لهم. فنشأ من ذلك مجموعتان من الأحاديث: مجاميع يرويها أهل السنة كالبخاري ومسلم، وقد سبق الكلام فيهما، ومجاميع يرويها الشيعة: ومن أجمع كتبهم في هذا كتاب الكافي في علم الدين لمحمد بن يعقوب الكليني، وهو يحتوي ستة عشر ألف حديث، قسمها - كما فعل أهل السنة - إلى صحيح وحسن وقوي وضعيف إلخ، وقد اتفق في جمعه عشرين عاما، ويسميه الشيعة «ثقة الإسلام»، وقد مات ببغداد سنة 328 أو سنة 329، ودفن بالكوفة؛ وغيره من الكتب ألف بعده على نمطه.

فكان اختلاف التشريع بين أهل السنة والشيعة مبنيا في الغالب على: (1)

اختلافهم في فهم القرآن، وللشيعة تأويلات في بعض الآيات خاصة بهم. (2)

وعلى أحاديث يرويها الشيعة عن أئمتهم لا يعترف بها أهل السنة. •••

وهم يقولون في كثير من مسائل أصول الدين بقول المعتزلة، فقد قال الشيعة كما قال المعتزلة بأن صفات الله عين ذاته، وبأن القرآن مخلوق، وبإنكار الكلام النفسي، وإنكار رؤية الله بالبصر في الدنيا والآخرة، كما وافق الشيعة المعتزلة في القول بالحسن والقبح العقليين، وبقدرة العبد واختياره، وأنه تعالى لا يصدر عنه قبيح، وأن أفعاله معللة بالعلل والأغراض إلخ.

وقد قرأت كتاب الياقوت لأبي إسحق إبراهيم بن نوبخت من قدماء متكلمي الشيعة الإمامية

73

فكنت كأني أقرأ كتابا من كتب أصول المعتزلة إلا في مسائل معدودة كالفصل الأخير في الإمامة، وإمامة علي، وإمامة الأحد عشر بعده.

ولكن أيهما أخذ من الآخر؟ أما بعض الشيعة فيزعم أن المعتزلة أخذوا عنهم، وأن واصل بن عطاء - رأس المعتزلة - تتلمذ لجعفر الصادق، وأنا أرجح أن الشيعة هم الذين أخذوا من المعتزلة تعاليمهم، وتتبع نشوء مذهب الاعتزال يدل على ذلك، وزيد بن علي زعيم الفرقة الشيعية الزيدية التي تنتسب إليه تتلمذ لواصل، وكان جعفر يتصل بعمه زيد؛ ويقول أبو الفرج الأصفهاني في «مقاتل الطالبين»: «كان جعفر بن محمد يمسك لزيد بن علي بالركاب ويسوي ثيابه على السرج»؛

ضحى الإسلام · الصفحة ٤٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٤٠٩