كان يمثل هذه الأدوار تماما الخلفاء العباسيون، وتاريخهم شاهد على ما نقول؛ فأبو العباس السفاح (أولهم) كان يؤثر الجد والعلم على ضرب اللهو، يقول: «إنما العجب ممن يترك أن يزداد علما، ويختار أن يزداد جهلا! فقال له أبو بكر الهذلي: ما تأويل هذا الكلام يا أمير المؤمنين؟ قال يترك مجالسة مثلك وأمثال أصحابك، ويدخل إلى امرأة أو جارية، فلا يزال يسمع سخفا، ويروي نقصا!». ولما تزوج أم سلمة حلف لها ألا يتزوج عليها ولا يتسرى، وحاول بعض المقربين إليه في خلافته أن يوسوس إليه، ويثير ملاذه وشهواته بذكر الجواري وأنواعهن فلم يفلح.
5
وكانت حياته حياة سفك للدماء،
6
وقضاء على المعارضين.
ووليه المنصور، وهو رجل الدولة العباسية ومؤسس بنيانها، الذي قضى على أعدائه وأعدائها من أهل بيته، ومن غيرهم؛ فلم يكن له في اللهو مجال. روى الطبري عن يحيى بن سليم قال: «لم ير في دار المنصور لهو قط، ولا شيء يشبه اللهو واللعب والعبث إلا يوما واحدا، فإنا رأينا ابنا له يقال له عبد العزيز (توفي وهو حدث) قد خرج على الناس متنكبا قوسا متعمما بعمامة، مترديا برداء في هيئة غلام أعرابي، راكبا على قعود، بين جوالقين فيهما مقل ونعال، ومساويك، وما يهديه الأعراب، فعجب الناس من ذلك وأنكروه، فعبر الغلام الجسر، وأتى المهدي بالرصافة فأهدى إليه ذلك، فقبل المهدي ما في الجوالقين وملأهما دراهم،. وانصرف الغلام، فعلم أنه ضرب من عبث الملوك.»
7
وترى من هذا أن الناس أنكروا العمل على بساطته ولطافته؛ لأنهم لم يألفوا شيئا من اللهو. وسمع المنصور جلبة في داره فقال: ما هذا؟ قالوا: خادم جلس بين الجواري، وهو يضرب لهن بالطنبور، وهن يضحكن، فقام حتى أشرف عليهم فرآهم فلما بصروا به تفرقوا، فأمر فضرب رأس الخادم بالطنبور حتى تكسر الطنبور، ثم أمر بالخادم فبيع.
8
وكان حازما لا لهو له، يشعر بالتبعة، ويضطلع بها، ولما سمع شعر طريف بن تميم العنبري:
إن قناتي لنبع لا يؤيسها
غمز الثقاف ولا دهن ولا نار
متى أجر خائفا تأمن مسارحه
وإن أخف آمنا تقلق به الدار
إن الأمور إذا أوردتها صدرت
إن الأمور لها ورد وإصدار
قال: أنا أحق ببيتيه منه، وأنا الذي وصف لا هو. وكانت ما تزال به بقية من بداوة، وميل إلى البساطة؛ بلغه أن عبد الله بن مصعب بن الزبير قد اصطبح مع جارية تغنيه بشعر له فيه غزل، وفيه استهتار، فقال المنصور: لكن الذي يعجبني أن يحدو بي الحادي الليلة بشعر طريف العنبري؛ فهو آلف وأحرى أن يختاره أهل العقل. فدعا حاديا يحدو له، وألقى عليه شعرا في الفخر بمكارم الأخلاق، فحداه به فقال المنصور: هذا والله أحث على المروءة، وأشبه بأهل الأدب. ثم عاد الربيع، وقال: أعطه درهما. فقال: يا أمير المؤمنين حدوت بهشام بن عبد الملك فأمر لي بعشرين ألف درهم، وتأمر لي أنت بدرهم! فقال: إنا لله، ذكرت ما لم نحب أن تذكره؛ وصفت رجلا ظالما أخذ مال الله من غير حله، وأنفقه في غير حقه، يا ربيع اشدد يديك به حتى يرد المال. فما زال الحادي يبكي ويتشفع حتى كف عنه.
9
وهو كذلك لا يحب الشراب، ولا يشرب على مائدته شراب، ولما قدم بختيشوع الطبيب عليه أمر المنصور بطعام يتغذى به، فلما وضعت المائدة بين يديه طلب شرابا؛ فقيل له: لا يشرب على مائدة أمير المؤمنين. فقال: لا آكل طعاما ليس معه شراب. فأخبر المنصور بذلك فقال: دعوه.
10
ثم هو لا يسرف في عطاء لحاد ولا لشاعر ولا لمادح، ويؤنب أولاده إذا أسرفوا في العطاء، ولا يتعالى في ثوب يلبسه، ولا مائدة تمد إليه، إنما هو مقتصد في كل ضروب الحياة، مقتصد حتى فيما أحل الله، وربما غلا في الا قتصاد غلو من بعده في الإسراف. لقد زعموا: أن أمه المغربية لما حملت به رأت أنها وضعت أسدا سجدت له الأسد، والحق أنه لولا أن له همة أسد يعاف الصغائر، ولا يشغله لهو عن تدبير، ما استطاع أن يؤسس هذه المملكة، ويخلفها لمن أتى بعده مضبوطة محكمة، لا تحتاج منه إلا أن يحفظ ما ورث.