تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

66

وكثير من أحاديث الإمامة ونظمها تروى عنه؛ من أهمها ما رواه جعفر الصادق عن علي بن أبي طالب في كيفية خلق العالم، وانتقال النور من آدم إلى نبينا

صلى الله عليه وسلم

إلى أن قال: «ثم انتقل النور إلى غرائزنا، ولمع في أئمتنا، فنحن أنوار السماء وأنوار الأرض، فينا النجاة، ومنا مكنون العلم، وإلينا مصير الأمور، وبمهدينا تنقطع الحجج؛ خاتمة الأئمة، ومنقذ الأمة، وغاية النور، ومصدر الأمور؛ فنحن أفضل المخلوقين، وأشرف الموحدين، وحجج رب العالمين، فليهنأ بالنعمة من تمسك بولايتنا، وقبض عروتنا».

67

ومن هذا ونحوه يظن أن فكرة المهدية، وعصمة الأئمة وتقديسهم وإعلاء شأنهم نبتت في ذلك العصر، عصر الإمام جعفر الصادق.

ومما عرف من مبادئ جعفر الصادق في التشريع أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد فيها نهي؟ وقوله: ما من أمر يختلف فيه اثنان إلا وله أصل في كتاب الله ولكن لا تبلغه عقول الرجال. وكان يرى جواز نقل الحديث بالمعنى، فقد سأله محمد بن مسلم: أسمع الحديث منك فأزيد وأنقص، قال: إن كنت تريد معانيه فلا بأس؛ وسئل عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر ولا يدري أيهما هو، وليس يقدر على ماء غيره، قال: يهريقهما جميعا ويتيمم. وكان لا يقول بالقياس لأنه رأي وإنما يرجع إلى ما ورد في الأصول من الكتاب والسنة. ويروون أنه ناظر أبا حنيفة في الرأي فقال جعفر الصادق لأبي حنيفة: أيهما أعظم قتل النفس أو الزنا؟ قال: قتل النفس، قال: فإن الله قد قبل في قتل النفس شاهدين، ولم يقبل في الزنا إلا أربعة، ثم سأله أيهما أعظم: الصلاة أو الصوم؟ قال: الصلاة، قال: فما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فكيف يقوم لك القياس، فاتق الله ولا تقس ... إلخ.

وللإمام جعفر حكم وأدعية وردت في كتب الشيعة، وروى بعضها الشهرستاني في «الملل والنحل» واليعقوبي في تاريخه.

من أمثلة ذلك قوله: «إن الله تعالى أراد بنا شيئا، وأراد منا شيئا؛ فما أراده بنا طواه عنا، وما أراده منا أظهره لنا، فما بالنا نشتغل بما أراده بنا عما أراده منا»، وقوله: «اللهم لك الحمد إن أطعتك، ولك الحجة إن عصيتك، لا صنع لي ولا لغيري في إحسان، ولا حجة لي ولا لغيري في إساءة».

ولكن تزيدوا على أقواله وآرائه كما تزيد أتباع الأئمة الآخرين على أئمتهم سواء في آداب الفقه والحديث أو في باب العقائد، فبعض الرسائل التي تنسب إليه لم تصح نسبتها، والشهرستاني يقول: «ولكن الشيعة بعده افترقوا، وانتحل كل واحد منهم مذهبا، وأراد أن يروجه على أصحابه، فنسبه إليه وربطه به، والسيد بريء من ذلك ... فمنهم من زعم أنه حي بعد ولن يموت حتى يظهر فيظهر أمره»

68

إلخ.

ويظهر أن كثرة ما نسب إليه، وصعوبة التمييز بين ما هو صحيح وغير صحيح، حملت البخاري على ألا يروي شيئا من حديثه. ورجال الحديث من أهل السنة يختلفون فيه، فابن سعد صاحب الطبقات يقول: «إنه كان كثير الحديث ولا يحتج به ويستضعف؛ سئل مرة سمعت هذه الأحاديث من أبيك؛ فقال: نعم، وسئل مرة فقال: إنما وجدتها في كتبه»، ويحيي بن سعيد يقول: «في نفسي منه شيء»؛ وقيل لأبي بكر بن عياش مالك لم تسمع من جعفر وقد أدركته؟ قال: سألناه عما يتحدث به من الأحاديث أشيء سمعته؟ قال: لا ولكنها رواية رويناها عن آبائنا، ووثقه الشافعي ويحيي بن معين وغيرهما، ولم أر أحدا يتهمه بالكذب ولكن من لا يروي عنه يتهمه بأنه لا يتقيد بما سمع، بل يحدث بما قرأ في الكتب، وهذا عيب في نظر المحدثين. وكان بعض المحدثين يأخذ بحديثه إذا رواه عنه الثقات، قال ابن حبان: «كان من سادات أهل البيت فقها وعلما وفضلا، يحتج بحديثه من غير رواية أولاده عنه، وقد اعتبرت حديث الثقات عنه، فرأيت أحاديثه مستقيمة ليس فيها شيء يخالف حديث الإثبات، ومن المحال أن يلصق به ما جناه غيره».

ضحى الإسلام · الصفحة ٤٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٤٠٨