والشيعة تقدم القرابة على العصبة، ويروون أن الصادق سئل لمن المال للأقرب أو للعصبة؟ فقال: «المال للأقرب، والعصبة في فيه التراب، وتوريث الرجال دون النساء قضية جاهلية».
فإذا مات رجل عن بنت وابن ابن؛ فالمال كله للبنت عند الشيعة لأنها أقرب من ابن الابن؛ وعند أهل السنة النصف للبنت والنصف لابن الابن لأنه عصبة.
ومن أغرب مسائلهم في الإرث أنهم يقولون: إن ابن العم الشقيق مقدم على العم لأب، ولعلهم يرمون بذلك أن يكون علي بن أبي طالب متقدما في إرث رسول الله
صلى الله عليه وسلم
على العباس، لأن عليا ابن عم شقيق والعباس عم لأب. والشيعة لا تورث النساء من الأرض والعقار، إنما تورثهن من فروع الأموال.
وهم يقولون: إن الأنبياء تورث، وأهل السنة يقولون لا يورثون، لحديث، «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة»؛ احتج به أبو بكر فمنع فاطمة من الإرث، وماتت هي واحدة عليه. وقولهم في إرث النبي
صلى الله عليه وسلم
في المال يؤيد من طريق غير مباشر دعواهم في إرث الخلافة.
4- كذلك للشيعة خلاف في صيغة الأذان
62
وفي المسح على الرجلين في الوضوء دون غسلهما، وغير ذلك مما يطول شرحه، فنجتزئ هنا بهذا القدر. •••
وأكبر شخصيات ذلك العصر في التشريع الشيعي، بل ربما كان أكبر الشخصيات في ذلك في العصور المختلفة الإمام جعفر الصادق.
الإمام جعفر الصادق:
عاصر آخر الدولة الأموية، وصدرا من الدولة العباسية، وهو ابن الإمام محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عاش، نحوا من خمسة وستين عاما، ولد كما يقول الكليني سنة 83 وتوفي سنة 148 في خلافة أبي جعفر المنصور؛ وأمه أم فروة بنت القاسم بن أبي بكر الصديق، ولعل هذا كان سببا في تلطيف نظره إلى أبي بكر، على عكس جمهور الشيعة. ويظهر أنه كان بعيد عن غمار السياسة ، والدخول في متاعبها، والاصطلاء بنارها، وهذا ما يعلل عيشته عيشة سالمة من اضطهاد الأمويين والعباسيين له غالبا، على الرغم مما في ذلك العصر من فتن واضطراب ودسائس؛ أو أنه طبق مذهب التقية في دقة وإتقان. حكى المسعودي أن أبا سلمة (داعية العباسيين) حين بلغه مقتل إبراهيم الإمام أضمر الرجوع - عما كان عليه من الدعوة العباسية - إلى آل أبي طالب، فبعث بكتابين مع رسول إلى المدينة، أحدهما إلى جعفر (الصادق)، والآخر إلى عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي ابن أبي طالب؛ فلما وصل الرسول إلى جعفر أعلمه أنه رسول أبي سلمة ودفع إليه كتابه ليلا، فقال جعفر: وما أنا وأبو سلمة، وأبو سلمة شيعة لغيري؟ قال له: إني رسول، فتقرأ كتابه وتجيبه بما رأيت؛ فدعا جعفر بسراج، ثم أخذ بكتاب أبي سلمة فوضعه على السراج حتى احترق، وقال للرسول: عرف صاحبك بما رأيت، ثم تمثل بقول الكميت:
أيا موقدا نارا لغيرك ضوؤها
ويا حاطبا في غير حبلك تحطب
فخرج الرسول من عنده.
63
وكان ذا حظ عظيم من العلم، قال الشهرستاني فيه: «وهو ذو علم غزير في الدين، وأدب كامل في الحكمة، وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات، وقد أقام بالمدينة مدة يفيد الشيعة المنتمين إليه، ويفيض على الموالين له أسرار العلوم، ثم دخل العراق وأقام بها مدة؛ ما تعرض للإمامة قط، ولا نازع أحدا في الخلافة، ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط، ومن تعلى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حط ...».
64
ومركزه العلمي كان بالمدينة في أكثر الأحيان، وفي الكوفة حينا، وله معرفة واسعة بعلوم الدين، وقد ذكروا أن ممن أخذ عنه مالكا وأبا حنيفة، وأنهما استفادا من علمه؟ كما ذكروا أنه كان له معرفة بالتنجيم والكيمياء، وأن من تلاميذه جابر بن حيان.
65
والشيعة تروي عنه الشيء الكثير، حتى صنفوا من إجاباته عن المسائل أربعمائة كتاب سموها «الأصول»، «ولم يرو عن أحد من أهل بيته ما روي عنه حتى قال الحسن بن علي الوشاء - من أصحاب الرضا - أدركت في هذا المسجد (يعني مسجد الكوفة) تسعمائة شيخ كل يقول: حدثني جعفر بن محمد ... وذكروا أن الرواة عنه بلغوا نحو أربعة آلاف رجل».