فأولا - ورد في القرآن في سورة النساء وهي مدنية:
فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ، فذهب قوم إلى أن الآية وردت في حل نكاح المتعة، ودليلهم على هذا: (1)
أنه عبر في ذلك بلفظ الاستمتاع دون لفظ النكاح، والاستمتاع والمتعة بمعنى واحد. (2)
أنه أمر بإيتاء الأجر، وفي هذا إشارة إلى أن العقد عقد إيجار، والمتعة إيجار على منفعة البضع. (3)
أنه أمر بإيتاء الأجر بعد الاستمتاع، وذلك يكون في عقد الإجارة والمتعة، فأما المهر فإنما يجب في النكاح بنفس العقد، ويطالب الزوج بالمهر أولا ثم يمكن من الاستمتاع، فدلت الآية على جواز عقد المتعة.
وقد رد على ذلك آخرون، وقالوا: إن الآية واردة في النكاح المعروف لا في نكاح المتعة، لأن سياق الآية كلها في النكاح، فقد ذكر أول الآيات أجناسا ممن يحرم زواجهن، وأباح ما وراء ذلك، فيصرف قوله:
فما استمتعتم به منهن
إلى الاستمتاع بعقد النكاح المعروف؛ وأما تسمية الواجب أجرا فقد ورد في القرآن تسمية المهر أجرا، قال تعالى:
فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن
أي مهورهن، وقال تعالى:
ياأيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن
وأما أنه أمر بإيتاء الأجر بعد الاستمتاع - وليس ذلك الشأن في النكاح - فقالوا إن في الآية تقديما وتأخيرا كأنه تعالى قال:
فآتوهن أجورهن إذا استمتعتم به منهن
أي إذا أردتم الاستمتاع كقوله تعالى:
ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن . أي إذا أردتم تطليقهن. واستدل هؤلاء المحرمون للمتعة بقوله تعالى:
والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم
فقد حرم الجماع إلا بأحد شيئين: عقد النكاح وملك اليمين، والمتعة ليست بنكاح ولا بملك يمين، والدليل على أنها ليست بنكاح أنها ترتفع بغير طلاق، ولا يجري التوارث فيها بينهما.
وثانيا - وردت أحاديث كثيرة مختلفة الدلالة في المتعة نسوق بعضها: فقد روي عن ابن مسعود قال: كنا نغزو مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم
ليس معنا نساء فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا بعد أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل؛ ثم قرأ ابن مسعود
ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم
وعن أبي جمرة قال: سألت ابن عباس عن متعة النساء فرخص، فقال له مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد، وفي النساء قلة أو نحوه؟ فقال ابن عباس: نعم. رواه البخاري.
وعن محمد بن كعب عن ابن عباس قال: «إنما كانت المتعة في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم، فتحفظ له متاعه، وتصلح له شأنه، حتى نزلت هذه الآية
إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم
قال ابن عباس: فكل فرج سواهما حرام». رواه الترمذي.
وعن علي أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر، وفي رواية نهى عن متعة النساء يوم خيبر.
وعن سلمة بن الأكوع قال: رخص لنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم
في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام ثم نهى عنها.
وعن سيرة الجهني أنه غزا مع النبي
صلى الله عليه وسلم
فتح مكة، قال: فأقمنا بها خمسة عشر، فأذن لنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم
في متعة النساء، فلم أخرج حتى حرمها. وفي رواية أنه كان مع النبي
صلى الله عليه وسلم
فقال: يأيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا. رواه أحمد ومسلم. وفي راوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى في حجة الوداع عن نكاح المتعة. رواه أحمد وأبو داود.
هذا طرف من الأحاديث التي وردت في المتعة.
فالظاهر من كل هذا أن نكاح المتعة أجازه رسول الله
صلى الله عليه وسلم
في بعض الأوقات وعند الحاجة؛ كالسبب الذي ذكره ابن مسعود من أنهم كانوا في غزوة من غير نساء، واشتد بهم الأمر حتى استفتوا في الخصاء. وقد روي التحليل في غزوات مختلفة آخرها يوم فتح مكة، ثم حرمت.