تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أداهم هذا النظر الذي ذكرنا إلى أن يروا أنهم لا يأخذون الحديث إلا ممن كان شيعيا، ولا يأخذون علما إلا ممن كان شيعيا، ولا يثقون برواية تاريخ إلا ممن كان شيعيا؛ ولذلك كانت كتب أحاديثهم، وفقههم، وأصول فقههم، ورواية تاريخهم محصورة كلها في المتشيعين.

بهذا حصروا أنفسهم في دائرة خاصة، حتى كأنهم هم المسلمون وحدهم؛ فإن عاشوا وسط السنيين فباطنهم لأنفسهم، وظاهرهم التقية.

وفي الحق أن كثيرا من «أهل السنة» وقفوا نفس موقف الشيعة، فلم يرض كثير من المحدثين أن يرووا أحاديث الشيعة ولم يرض كثير من الفقهاء أن يعدوا خلافات الشيعة بين اختلافات الفقهاء.

وكان أولى الفريقين أن يكون عمادهم في الأخذ والرد صدق الراوي وكذبه مهما كان مذهبه الديني.

ومع هذا فكان نظر السنيين أقرب إلى العدل وأدنى إلى الإنصاف؛ فلم يكرهوا عليا كره الشيعة لأبي بكر وعمر وعائشة، بل مجدوه وعظموه، وأثنوا عليه، واعترفوا بفضائله، وإن رأوا أن أبا بكر وعمر يفضلانه، ورووا ما صح عندهم من حديث علي؛ ولئن كان رجال السياسة قد أساءوا إلى علي وشيعته نفيا وقتلا وتعذيبا، فإن رجال العلم والدين كانوا أعدل في معاملة الشيعة من معاملة الشيعة لرجال الدين والعلم السنيين، وإن أخذ على السنيين شيء إزاء موقفهم نحو الصحابة والتابعين، فهو أنهم بالغوا في تمجيدهم جميعا، فلم يشاءوا أن ينقدوا في جرأة وصراحة عمل أحد منهم سواء كان شيعيا أم غير شيعي، وسواء كان عليا أم أبا بكر، وشتان بين صنيعهم وصنيع الشيعة في السب واللعن لكل من لم يكن شيعيا، وخاصة من دخل في خلاف مع علي وشيعته. ولو أنصفوا جميعا لوقفوا منهم موقف المؤرخ الصريح الصادق ينقدون عمل العامل من غير نظر إلى فرقته ومذهبه، ويمجدون عمل الخير من أي جهة كان، ولكن من لنا بالصدر الرحب والعقل الواسع؟! •••

فقه الشيعة:

ومنحى الفقه الشيعي يشبه منحى الفقه السني من اعتماده على الكتاب والسنة، وإن كان هناك خلاف في الأصول والفروع، فأهم منشئه أشياء: (الأول):

أن ما كان من أصول وفروع عند السنيين يخالف تعاليم الشيعة وعقائدها، التي ألممنا بها من قبل، يرفض رفضا باتا، ويحل محل أصول وفروع تتمشى مع العقائد الشيعية. (الثاني):

أنهم - وقد منعوا أنفسهم من أن يأخذوا حديثا أو رأيا إلا عن إمام من أئمة الشيعة وعالم شيعي وراو شيعي - اضطروا أن يبنوا أحكامهم على الكتاب بالتفسير الشيعي والأحاديث بالرواية الشيعية فقط، وأن يرفضوا ما روي عن غيرهم، وهذا يستتبع حتما ضيقا في التشريع من جهة، ومخالفة للتشريع السني في بعض المسائل من جهة أخرى. (الثالث):

أن الشيعة أنكروا الإجماع العام كأصل من أصول التشريع، لأن هذا يسلم إلى الأخذ بأقوال غير الشيعة، وأنكروا القياس لأنه رأي، والدين لا يؤخذ بالرأي، وإنما يؤخذ عن الله ورسوله وعن الأئمة المعصومين، وقد استلزم قولهم بعصمة الأئمة أن يأخذوا أقوالهم كنصوص من قبل الشارع لا تحتمل خلافا.

ولنسق على ذلك أمثلة من المسائل المشهورة التي خالف فيها الشيعة السنية:

1- فمن أهم ذلك وأشهره نكاح المتعة، وهي أن يتعاقد الرجل مع امرأة أن يتزوج بها بأجر معين إلى أجل مسمى، كأن يقول لها تزوجتك بخمسة جنيهات لمدة أسبوع فتقبل. ونكاح المتعة عند الشيعة لا توارث فيه، فلا ترث الزوجة زواج متعة من الرجل ولا يرث منها؛ ولا يشترط لصحة المتعة شهود بل تصح من غير شهود ومن غير إعلان، ولا حاجة فيها إلى الطلاق، بل ينتهي العقد بانتهاء المدة المحدودة، وعدتها حيضتان لمن تحيض، وخمسة وأربعون يوما لمن لا تحيض، ولا حد لعدد النساء المتمتع بهن، فليس شأنهن شأن الزوجات بزواج دائم من قصرهن على أربع، بل له أن يستمتع بما شاء من عدد.

وقد وردت في المتعة نصوص مختلفة ذهب فيها العلماء مذاهب مختلفة يطول شرحها، ولنورد بعضها في إجمال:

ضحى الإسلام · الصفحة ٤٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٤٠٤