على أنا نرى من بين الشيعة من تلطف في الحكم فلم يصل بهؤلاء الصحابة إلى درجة الكفر وإلى استحقاق اللعن.
وعلى كل حال جرأتهم هذه العقيدة على أن ينقدوا أعمال الصحابة ومن يليهم، وأنا أنقل هنا بعضا من أقوال من يعد معتدلا فيهم؛ فأهل السنة - وخاصة من عهد أبي الحسن الأشعري - يرون أنه لا يصلح أن يتعرض لأحد من الصحابة بسوء، ويروون أحاديث في ذلك مثل: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»، ومثل: «خير القرون قرني ثم الذي يليه ثم الذي يليه». وروي عن الحسن البصري أنه ذكر عنده الجمل وصفين، فقال: تلك دماء طهر الله منها أسيافنا فلا نلطخ بها ألسنتنا، وقالوا: إن من المروءة أن يحفظ رسول الله
صلى الله عليه وسلم
في عائشة زوجته، وفي الزبير ابن عمته، وفي طلحة الذي وقاه بيده. ثم ما الذي ألزمنا وأوجب علينا أن نلعن أحدا من المسلمين أو نبرأ منه؛ وأي ثواب في اللعنة والبراءة؟ ... ثم قد كان رسول الله صهرا لمعاوية، إذ كانت أم حبيبة زوجه، فالأدب أن تحفظ أم حبيبة وهي أم المؤمنين في أخيها، إلى آخر ما قالوا.
لم يرض الشيعة عن هذا القول، وقالوا: إن الله فرض عداوة أعدائه وولاية أوليائه، يقول الله تعالى:
لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم . وقد لعن الله العاصين بقوله:
لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود ، وأنتم لم تعدلوا في موقفكم، فأنتم دخلتم في أمر عثمان وخضتم فيه، ولم تحفظوا أبا بكر في محمد ابنه، فإنكم لعنتموه وفسقتموه لاشتراكه في فتنة عثمان، ولا حفظتم عائشة أم المؤمنين في أخيها محمد، ومنعتمونا أن نخوض وندخل أنفسنا في أمر علي والحسن والحسين ومعاوية الظالم له ولهما، المتغلب على حقه وحقهما. وكيف صار لعن ظالم عثمان من السنة، ولعن ظالم علي والحسن والحسين تكلفا؛ وكيف تحدثتم في أمر عائشة وحفظتم أمرها ومنعتم من الحديث في خروجها يوم الجمل، ومنعتمونا من الحديث في أمر فاطمة وما جرى لها بعد أبيها؛ وكيف صار التعرض لعائشة من أكبر الكبائر، وكشف بيت فاطمة والدخول عليها في منزلها، وتهديدها بالحريق، من الإيمان؟ والصحابة أنفسهم كان يتعرض بعضهم لبعض، فعائشة تقول في عثمان: اقتلوا نعثلا لعن الله نعثلا؛ وكان عبد الله ابن مسعود يلعن عثمان؛ وقد لعن معاوية علي بن أبي طالب وابنيه الحسن والحسين؛ ولعن أبو بكر وعمر سعد بن عبادة وبرئا منه، وأخرجاه من المدينة إلى الشام ... وهذا طلحة والزبير وعائشة ومن كان معهم لم يروا أن يمسكوا عن علي حتى قصدوا له، وحملوا السيوف في وجهه، وكذلك فعل معاوية وعمرو ابن العاص، وقد لعنهما علي ولعن أبا موسى الأشعري. وهذا عثمان قد نفى أبا ذر إلى الزبدة، إلى كثير من أمثال ذلك - ولو كانت الصحابة بالمنزلة التي تذكرونها لعلمت ذلك من حال نفسها - وهذا كله من وضع المتعصبين للأمويين، فقد كان لهم من ينصرهم بلسانه ويوضع الأحاديث إذا عجز عن نصرهم بالسيف؛ ومن هذا القبيل حديث: «خير القرون قرني»، ومما يدل على بطلانه أن القرن الذي جاء بعده بخمسين سنة شر قرون الدنيا، فهو القرن الذي قتل فيه الحسين وأوقع بالمدينة، وحوصرت مكة، ونقضت الكعبة، وشربت الخلفاء الخمور، وارتكبوا الفجور، كما جرى ليزيد بن معاوية وللوليد بن يزيد، إلى آخر ما قالوا.
61
وفي هذه الأقوال بعض الحق، ولكن الشيعة وقفوا نفس الموقف الذي عابوه على أهل السنة، فقد رموا أهل السنة بتحاملهم على آل البيت وأتباعهم فتحاملوا هم على من عداهم، ولم يقفوا من الصحابة جميعا موقف القاضي العادل، فجرحوا الصحابة إذا لم يكونوا من الشيعة، وأغضبوا عن كل شيء من الشيعة، ورفعوا الأئمة فوق البشر بل فوق الأنبياء، لأنهم ادعوا العصمة لهم؛ وكان المنطق يقضي - وقد وضعوا مبدأ نقد أعمال الصحابة - أن يضعوا الصحابة كلهم في ميزان واحد، ويحاسبوهم حسابا واحدا. ولعل المعتزلة كانوا أعدل منهم في هذا الباب، فنظروا إلى جميعهم نظرا واحدا وإن أخطأ بعضهم في الحساب.