59
وعلى هذا قال كثير من الشيعة: إنه يحسن لمن اجتمع مع أهل السنة أن يوافقهم في صلاتهم وصيامهم وسائر ما يدينون به؛ ورووا عن بعض أئمة أهل البيت: من صلى وراء سني تقية فكأنما صلى وراء نبي؛ وفي وجوب قضاء هذه الصلاة عندهم خلاف.
وقد فسروا كثيرا من أعمال الأئمة على أنهم فعلوها تقية، فسكوت علي على أبي بكر وعمر وعثمان كان تقية، ومصالحة الحسن لمعاوية كان تقية إلخ. كما كانت التقية عند الشيعة سببا في تحميل الكلام معاني خفية، وجعلهم للكلام ظاهرا يفهمه كل الناس، وباطنا يفهمه الخاصة، وقصدهم في كلامهم إلى الرمز والكناية ونحوهما، وفسر بعضهم بعض آيات القرآن على هذا النحو، فجعلوا كثيرا من الآيات رمزا لعلي والأئمة، فقال بعضهم في قوله تعالى:
ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ، إن المراد بما أنزل إليك خلافة علي؛ وقالوا: إن وراء هذه العلوم أسرارا خفية أشار إليها علي زين العابدين بقوله:
إني لأكتم من علمي جواهره
كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا
وقد تقدم في هذا أبو حسن
إلى الحسين وأوصى قبله الحسنا
فرب جوهر علم لو أبوح به
لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ولا ستحل رجال مسلمون دمي
يرون أقبح ما يأتون حسنا
وجري على هذا النمط بعض الصوفية، فقالوا: إن وراء علم الظاهر علم الباطن، وهو لا يفهم من الوضع اللغوي للكلمات ولا من البراهين المنطقية، إنما يفهم من طريق الإلهام والمكاشفة إلخ.
وكان على عكس الشيعة في القول بالتقية الخوارج، فقالوا: لا تجوز التقية بحال من الأحوال، ولو عرضت النفس والمال والعرض للأخطار.
وحياة الشيعة والخوارج السياسية مظهر من مظاهر قولهم في التقية، فالخارجي يعلن الخروج على الإمام في صراحة ولو كان وحده، ويحاربه ولو كان في نفر قليل، مهما بلغ عدوه من العدد، ولا يداري ولا يماري؛ والشيعي يداري ويجاري، ويتستر ويتكتم حتى يظن أن الفرصة أمكنته فيظهر. •••
أدى الشيعة الاعتقاد بالإمامة، وأنها جزء من الإيمان والعصمة وما إليها، إلى اعتقادهم أن المؤمنين حقا هم علي ومن ناصره ووالاه، ومن تبع الأئمة بعد علي في الأجيال المتعاقبة؛ أما من عداهم من أبي بكر وعمر وعثمان ومن تابعهم، والأمويين والعباسيين ومن شايعهم، فهم في نظرهم مقصرون، وإن اختلف الشيعة فيما بينهم في الوصف الذي يصفونهم به، فمنهم من غلا فيهم إلى درجة الحكم عليهم بالكفر.
فيروون عن الصادق: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: من ادعى إمامة ليست له، ومن جحد إماما من عند الله، ومن زعم أن أبا بكر وعمر لهما نصيب في الإسلام».
وأكثروا من لعن أبي بكر وعمر وعائشة وحفصة وغيرهم، وبالغوا في ذلك حتى جعلوا لعنهم قربة إلى الله؛ ولهم أدعية مأثورة في لعن هؤلاء وأمثالهم.
60
وهذا - من غير شك - ضيق في النظر أدى إليه اتخاذهم مقياس الفضيلة والرذيلة والإيمان والكفر الإيمان بإمامة علي، فمن آمن بذلك فهو المؤمن وهو الفاضل، وهو الذي يستحق الثواب، ومن كفر بإمامته فهو الكافر وهو الشرير، وهو المعذب بالنار؛ فكأن الإيمان بإمامة علي يساوي الإيمان بالله، بل يزيد عليه، فمن آمن بالله وحده من غير إيمان بإمامة علي لم ينفعه إيمانه، فإذا زاد على ذلك أنه جحد استحقاق علي للإمامة فهذا هو الكفر الذي ما بعده كفر.
وهذا مقياس في منتهى الغرابة، كمن يقيس الحجرة بالقدح بدل الأمتار، أو يقيس المكيل بالمتر بدل القدح؛ فنحن نعلم أن روح الإسلام تقوم المرء بشيئين: توحيد الله، وإيمان برسالة رسوله محمد، ثم الأعمال الصالحة التي تنفع الناس، وبهذا وحده يقدر المرء في نظر الإسلام، وبهذا وحده يوزن أبو بكر وعمر وعائشة كما يوزن به علي نفسه، وكما يوزن به كل إنسان؛ فإلغاء هذا المقياس، ووضع مقياس آخر هو الإيمان بعلي، جهل بروح الإسلام وضعف في العقل حتى في نظر العقل المجرد. ولو قالوا إن المقياس هو الإيمان بالله وبالأعمال، وأن الإيمان بإمامة علي عقيدة من عقائد الخير لقاربوا الحق، ولكان لقولهم مندوحة ولكن إنكار إمامة علي لا يستوجب كفرا ولا يستوجب لعنة، وفضل أبي بكر وعمر على الإسلام أكبر من فضل علي، ولكل فضل، فجحد هذا بالنسبة لهما حتى يستوجبا اللعنة سخف في الرأي، وضيق في الذهن.