حديث المهدي هذا حديث خرافة، وقد ترتب عليه نتائج خطيرة في حياة المسلمين، نسوق لك أهمها: (1)
أحيط المهدي بجو غريب من التنبؤات والإخبار بالمغيبات والإنباء بحوادث الزمان. فعند آل البيت علم توارثوه عن أخبار الزمان إلى يوم القيامة؛ وهناك الجفر وهو جلد ثور صغير مكتوب فيه علم ما سيقع لأهل البيت مروي عن جعفر الصادق في زعمهم؛ وهناك أخبار زعم مسلمة اليهود أنهم رأوها في كتبهم الدينية مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه في أحداث الدول وأعمارها، فامتلأت عقول الناس بأحاديث تروى وقصص تقص، ونشأ باب كبير في كتب المسلمين اسمه الملاحم، فيه أخبار الوقائع من كل لون، فأخبار العرب والروم، وأخبار في قتال الترك، وأخبار في البصرة وبغداد والإسكندرية، وما جاء في فضل الشام وأنه معقل الملاحم، وأخبار عن مكة والمدينة وخرابهما، وأخبار أن المهدي يملك جبل الديلم والقسطنطينية وسيفتح رومية وأنطاكية وكنيسة الذهب، وأخبار عن فتح الأندلس وما يجري فيه من أحداث
58
إلخ. وجعلت هذه الأشياء كلها أحاديث بعضها نسبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضها إلى أئمة أهل البيت، وبعضها إلى كعب الأحبار ووهب بن منبه، وهكذا. وكان لكل ذلك أثر سيئ في تضليل عقول الناس وخضوعهم للأوهام، كما كان من أثر ذلك الثورات المتتالية في تاريخ المسلمين، ففي كل عصر يخرج داع أو دعاة كلهم يزعم أنه المهدي المنتظر، ويلتف حوله طائفة من الناس، كالذي كان من المهدي رأس الدولة الفاطمية. وتقرأ تاريخ المغرب فلا يكاد يمر عصر من غير خروج مهدي، وكان آخر عهدنا به مهدي السودان، وظهور فرقة البابية في فارس التي دعا إليها ميرزا علي محمد المولود سنة 1235ه، وهو من نسل الحسين، وقد ادعى - لما بلغ الخامسة والعشرين - أنه الباب - ومعنى الباب عندهم «نائب المهدي المنتظر». ولو أحصينا عدد من خرجوا في تاريخ الإسلام وادعوا المهدية، وشرحنا ما قاموا به من ثورات، وما سببوا من تشتيت للدولة الإسلامية وانقسامها وضياع قوتها، لطال بنا القول، ولم يكفنا كتاب مستقل.
وهذا كله من جراء نظرية خرافية، هي نظرية «المهدية»، وهي نظرية لا تتفق وسنة الله في خلقه، ولا تتفق والعقل الصحيح. ولعل تقدم الناس في عقلهم ومعارفهم وتقدمهم في الحكم ونظامه وما ينبغي أن يكون، يقضي على البقية الباقية من هذه الخرافة، ويحول الناس إلى أن ينشدوا العدل، ويعملوا بأيديهم وعقولهم في إيجاد الحكم الصالح، ويحلوا ذلك محل المهدي المنتظر؛ فخير لهم أن يطلقوا العدل في الواقع لا في الخيال، وأن يعملوا على تحقيقه في دنيا الحس والعقل لا دنيا الأوهام. (2)
وشيء آخر تولد من فكرة المهدي المنتظر؛ ذلك أن الصوفية اتصلت بالتشيع اتصالا وثيقا، وأخذت فيما أخذت عنه فكرة المهدي، وصاغتها صياغة جديدة وسمته «قطبا»، وكونت مملكة من الأرواح على نمط الأشباح، وعلى رأس هذه المملكة الروحية القطب، وهو نظير الإمام أو المهدي في التشيع؛ والقطب هو الذي «يدبر الأمر في كل عصر، وهو عماد السماء، ولولاه لوقعت على الأرض»؛ ويلي القطب النجباء، قال ابن عربي في الفتوحات الملكية: «وهم اثنا عشر نقيبا في كل زمان، لا يزيدون ولا ينقصون، على عدد بروج الفلك الاثني عشر، كل نقيب عالم بخاصية كل برج وبما أودع الله تعالى في مقامه من الأسرار والتأثيرات ... وأعلم أن الله تعالى قد جعل بأيدي هؤلاء النقباء علوم الشرائع المنزلة، ولهم استخراج خبايا النفوس وغوائلها، ومعرفة مكرها وخداعها ، وإبليس مكشوف عندهم، يعرفون منه ما لا يعرفه من نفسه، وهم من العلم بحيث إذا رأى أحدهم وطأة شخص في الأرض علم أنها وطأة سعيد أو شقي مثل العلماء بالآثار والقيافة إلخ».
وقال ابن تيمية في بعض فتاويه: «وأما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة، مثل الغوث الذي بمكة، والأوتاد الأربعة، والأقطاب السبعة والأبدال الأربعين، والنجباء الثلاثمائة، فهي ليست موجودة في كتاب الله، ولا هي مأثورة عن النبي