تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

56

ورووا عن عبد الله بن مسعود عن النبي

صلى الله عليه وسلم

قال: لا تذهب الدنيا حتى يلي أمتي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي. قال البلخي في كتابه «البدء والتاريخ» بعد روايته هذا الحديث: «وقد تأول قوم أنه المهدي محمد بن أبي جعفر لقبه المهدي واسمه محمد، وهو من أهل البيت، ولم يأل جهدا في إظهار العدل ونفي الجور» إلخ.

فنرى من هذا أن عقيدة المهدي فشت في العلويين والأمويين والعباسيين، وأخذت عند كل منهم لونا خالصا.

وفكرة المهدي هذه لها أسباب سياسية واجتماعية ودينية؛ ففي نظري أنها نبعت من الشيعة، وكانوا هم البادئين باختراعها، وذلك بعد خروج الخلافة من أيديهم وانتقالها إلى معاوية، وقتل علي، وتسليم الحسن الأمر لمعاوية، وتسمية هذا العام، الذي فيه سلم الحسن الأمر لمعاوية، عام الجماعة، ثم قتل الحسين.

تم ذلك فرأى رؤساء الشيعة أن هذا قد يسبب اليأس في نفوس أتباعهم، وخافوا أن يذوب حزبهم، فكان منهم بعيدو النظر، بدأوا يبشرون بأن الحكم سيرجع إليهم، وأن بني أمية سيهزمون، فوضعوا لذلك خططا، منها الدعوة السرية للتشيع والعمل في الخفاء على قلب الدولة الأموية وإضعافها، ثم رأوا أن ذلك لا يتم إلا بقيام رئيس للشيعة يلتف الناس حوله ولو سرا، ويلقبونه بأنه الخليفة حقا، ورأوا أن ذلك لا يتم أيضا إلا بصبغه صبغة دينية، فهو الإمام وهو المعصوم، ورأوا من إحكام أمرهم بث الرجاء والأمل في نفوس الناس حتى يشجعوا ويثبتوا، ومنوهم بأن الأمر لهم في النهاية، وأن الأمويين مهما أوتوا من النصر العاجل فإنه ينتظرهم الخذلان الآجل.

ولكن قوما حولوا الأخبار الواردة من الشيعة الأولين في الحكومة المنتظرة إلى حاكم منتظر، لأن ذلك أقرب إلى أذهان العامة، فالأولون كانوا يرمزون بالمهدي المنتظر إلى حكومة شيعية منتظرة، فجعلها المتأخرون حقيقة، وجعلوا المهدي المنتظر حقيقة، وأكثروا من القول فيه وزادوه أوصافا وأخبارا ليلبسوه ثوب الحقيقة.

قال الألوسي في تفسيره: «وتأول جماعة من الإمامية ما ورد من الأخبار في الرجعة على رجوع الدولة والأمر والنهي دون رجوع الأشخاص وإحياء الأموات».

57

ولكن العامة لا يفهمون جيدا رجوع المعاني، إنما يفهمون رجوع الأشخاص فوضعت لذلك أخبار المهدي المنتظر بشخصه ووصفه.

وكما كان في التاريخ أن اليونان لما فشلوا في حكمهم، وغلبهم الرومانيون على أمرهم حولوا الفلسفة العملية إلى فلسفة رواقية تتطلب اللذة في الحياة العقلية، وتتحمل آلام الحياة في صبر وثبات، كذلك الشيعة خرج الأمر من أيديهم فدعوا إلى تحمل آلام الحياة في صبر وثبات، وزادوا على ذلك إجادة تصوير فكرة الأمل، وجسدوها في المهدي.

ولما كان الشيعة هم الأساتذة الأولون في هذا الموضوع قلدهم خالد بن يزيد الأموي لما فشل وخرج الحكم من بيته إلى بيت مروان بن الحكم، ثم قلدهم العباسيون بشكل آخر فسلموا بالمهدي واستغلوا فكرته، وادعوا أن المهدي فيهم لا في شيعة علي. فاليأس عند الشيعة وعند البيت السفياني هو السبب النفسي لقيام فكرة المهدي، وحرب القوم من جنس سلاحهم هو السبب النفسي للمهدي العباسي.

واستغل هؤلاء القادة المهرة أفكار الجمهور الساذجة المتحمسة للدين والدعوة الإسلامية فأتوهم من هذه الناحية الطيبة الطاهرة، ووضعوا الأحاديث يروونها عن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

في ذلك، وأحكموا أسانيدها وأذاعوها من طرق مختلفة ، فصدق الجمهور الطيب لبساطته، وسكت رجال الشيعة لأنها في مصلحتهم، وسكت الأمويون لأنهم قلدوها في سفيانيهم، وسكت العباسيون لأنهم حولوها إلى منفعتهم، وهكذا كانت مؤامرة شنيعة أفسدوا بها عقول الناس. وكنت أنتظر من المعتزلة كشف النقاب عن هذا الضلال، إلا أني مع الأسف لم أعثر لهم على شيء كثير في هذا الباب، ولكني أعرف أن الزيدية (وهم فرع آخر من فروع الشيعة الذين تأثروا أثرا كبيرا بتعاليم المعتزلة، لأن زيدا رئيسهم تتلمذ لواصل بن عطاء زعيم المعتزلة)، كانوا ينكرون المهدي والرجعة إنكارا شديدا، وقد ردوا في كتبهم الأحاديث والأخبار المتعلقة بذلك، ورووا عن أئمة أهل البيت روايات تعارض روايات الأئمة الاثني عشرية.

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٩٩