1
كأنه كره ذلك واستعظمه، ونبا عن ذوقه العربي، وعده فخفخة كاذبة، وأبهة لا يستسيغها، فنفر من ذلك إلى عادات قومه. وكذلك شأنهم في الدواوين، وضروب الحضارة الأخرى. وعلى الجملة فالذوق العربي واضح كل الوضوح في العهد الأموي، والعلاقة بين دمشق ومكة والمدينة، وأعني من الناحية الاجتماعية لا السياسية علاقة متينة، يتفاهمون كل الفهم، ويتذاوقون كل الذوق، والإسلام مفهوم لديهم في بساطته وتقاليده على نحو أحسن مما فهم به في العصر العباسي.
أما العباسيون فلم يكن شأنهم كذلك، لئن كان الأمويون ينقلون إليهم بعض العادات مع صبغها بصبغتهم، فالعباسيون كانوا هم الذي ينتقلون بحذافيرهم إلى العادات الجديدة، والتقاليد الجديدة. خذ لذلك مثلا «النيروز»؛ كان عيدا للفرس قديما، ولم نسمع في العهد الأموي أن كان له شأن ذو بال، ولكن العباسيين اتخذوه عيدا قوميا يحفلون به حفلهم بعيد الفطر، ويتبارون فيه بالهدايا والقصائد، ويجلس فيه الخلفاء للتهنئة. وقل مثل ذلك في الأزياء؛ فانتشرت القلنسوة الطويلة، وضروب الأزياء الفارسية، اتخذ القضاة القلانس العظام، واتخذ الخلفاء العمائم على القلانس، وتفننوا في العمامة ونوعوها تبعا للطبقات كما كان يفعل الفرس؛ فللخلفاء عمة، وللفقهاء عمة، وللبغالين عمة، وللأعراب عمة. ولكل قوم زي؛ فللقضاء زي، ولأصحاب القضاء زي، وللشرط زي. وأصحاب السلطان على مراتب، ولكل مرتبة زي؛ فمنهم من يلبس المبطنة، ومنهم من يلبس الدراعة، ومنهم من يلبس «البازيكند». وكانت الشعراء تلبس الوشي والمقطعات، والأردية السود. وقد كان شاعر في هذا العصر يتزيا بزي الماضين فهجاه بعض الشعراء.
2
والخلفاء الأمويون إذا وهبوا فإنما كانت أكثر جوائزهم الإبل، أخذا بمذاهب العرب وبداوتهم. أما في دولة بني العباس فجوائزهم كانت أحمال المال، وتخوت الثياب، والخيل بمراكبها.
3
وعلى الجملة فقد انتقل الناس في العهد العباسي إلى عادات الأمم الأخرى وتقاليدهم، وأفرطوا في ذلك كل الإفراط، على العكس من العهد الأموي، ومن ثم انقطعت الصلات الاجتماعية والمشاكلات بين المسلمين في العراق والمسلمين في جزيرة العرب، أو كادت. ويحدثنا الأغاني حديثا طريفا عن ناهض بن ثومة؛ وهو شاعر بدوي جاف من الشعراء في العهد العباسي، شهد حفلة عرس في حلب فدار عقله واختبل فكره مما رأى، مما لا عهد له به في البادية، عجب وأفرط في العجب من الاحتفاء بالعروس، ومن ألوان الملابس، ومن ألوان الأطعمة والشراب، ومن آلات الغناء الفارسية، حتى أمعن الناس في الضحك من إمعانه في الغفلة!
4
ولقد كان يجن حقا لو شهد حفلة العرس هذه في بغداد. •••
أفرط قوم من الناس في هذا العصر في اللذائذ يتحرونها، ويتفننون في الاستمتاع بها، وكلما ملوا نوعا ابتكروا نوعا، وإذا أخذوا يهدءون نشط الدعاة يستحثونهم على الإغراق فيها، والأخذ بأكبر حظ منها. ونحن إذا تتبعنا تاريخ الدولة العباسية في هذا الباب وجدنا أن الدولة كانت تسير خطوات متدرجة إلى هذه الغاية، وأن كل خليفة كان يعلو غالبا درجة في سلم الترف والنعيم عمن قبله. وأننا لو خططنا رسما بيانيا لاتجه صاعدا باستمرار في عصر كل خليفة تقريبا، والناس في كل عصر وخاصة في هذه العصور تبع لإمامهم.
بدأت الدولة العباسية، وحولها أعداء كثيرون؛ من أمويين وصنائعهم، ولما اختير للخلافة السفاح ثم المنصور غضب كثيرون من البيت العباسي نفسه، وغضب شيعة علي، فكان لابد لقيام الدولة من خلفاء جادين غير لاهين، يصرفون كل وقتهم في تأسيس الدولة، واصطناع الموالين، وكبح جماح الثائرين، وسفك دم الخارجين، حتى إذا انتهى هذا الدور، ومهدت الأمور، وقتل الخارجون، واستكان أمثالهم؛ هدأت الدولة، فكان أمام الخليفة الذي يأتي بعد وقت من الفراغ والهدوء يجد فيه متسعا لشيء من اللهو والترف والنعيم، ولكن ليس يجد كل وقته، فعليه تنظيم داخل المملكة، بعد أن كان أكثرهم من قبله موجها إلى تنظيم الأمور الخارجية، حتى إذا استتب الخارج والداخل جاء خلفاء، وقد جرت الأمور في نصابها، وسارت على الأسس التي شيد الأولون بنيانها، ورأى هؤلاء الخلفاء المال الكثير يجبى إليهم في سعة، من جراء ما وضع الأولون من حماية للخارج، وتنظيم للداخل، فنعموا وأسرفوا في النعيم، وكان من وقتهم متسع لذلك كله!