بل أستطيع أن أقول إن الدولة الأموية لو قدر لها أن تستمر في الحكم الزمن الذي حكمته الدولة العباسية؛ لظهر على يديها من الحركات العلمية والإصلاحات الاجتماعية؛ قريب مما ظهر على يد العباسيين. ودليلنا على ما نقول: (1)
أن الدولة الأموية نفسها، وهي هي. كانت الحركة العلمية، والمذاهب الدينية، والنظم الاجتماعية؛ في آخرها أرقى منها في أولها، فانتظمت تعاليم الخوارج، ونشأ الاعتزال، واعتنقه بعض الخلفاء الأمويين، ونظمت حلقات الدروس في المساجد، وأخذ العلماء يبحثون مسائل في القدر، وغير القدر، وتناقشوا مع اليهود والنصارى، وبدأت نواة التأليف، والترجمة، وظهرت الكتابة الفنية، إلى كثير من أمثال ذلك. ولو كان اتساع الحركة العلمية من عمل العباسيين وحدهم؛ لكان آخر الدولة الأموية يشبه أولها. (2)
أن الأمويين أنفسهم لما انتقلوا إلى الأندلس، وكونوا فيها مملكة عاصرت العصر العباسي الأول؛ لم يكن تشجيعهم للعلم ولحركة الترجمة والتأليف أقل كثيرا من عمل العباسيين، وكذلك مدنيتهم وحضارتهم، وأكبر فرق بينهما: نشأ مما أحاط بالعباسيين من مدنيات العراق القديمة، والفرس، واليونان، وما أحاط بالأمويين بالأندلس من مدنية لاتينية. فأما الميل إلى التوسع في الحضارة، ومنه العلم، والأخذ بأوفر حظ من النظم الاجتماعية التي تليق بهم؛ فكان حظ الدولتين معا.
ذلك بأن المملكة الإسلامية، كانت من أول عهدها تسير متنقلة في أطوارها الطبيعية. ويسلمها طور إلى طور، فتنتقل من طور تغلب فيه البداوة، إلى طور من الحضارة، ثم إلى طور آخر، وهكذا.. وجاءت الدولة العباسية، والأمة سائرة إلى الحضارة بطبيعة ما يحيط بها من ظروف، فسارت في هذا الاتجاه، والخطأ كل الخطأ أن يفهم أنها أوجدته من عدم!
نعم! إن هناك عوامل ظهرت مع العباسيين، وبعضها من عملهم؛ كغلبة النفوذ الفارسي، ونقل العاصمة من الشام إلى العراق. وكان لهذه العوامل أثر غير قليل في نمو الحركة العلمية والاجتماعية، ولكن هذه الحركات كانت حركات مساعدة فقط، ولو لم توجد لاستمرت الأمة في سيرها إلى الحضارة، وإن كان يكون سيرها أبطأ. فسلطة العنصر الفارسي كانت تنمو في الحكم الأموي، وعلى الأخص في آخره، ولو لم يتح لها فرصة الدولة العباسية، لأتيحت لها فرص أخرى مختلفة الأشكال. والعراقيون كان يصح أن يستخدموا في الحركة العلمية (والعاصمة في الشام)؛ بل نحن نرى بالفعل حركة الحسن البصري وتلاميذه الدينية بالبصرة تنمو وتقوى، والحركة اللغوية تنمو وتقوى؛ بمثل أبي عمرو بن العلاء، وقرينه عيسى بن عمر الثقفي بالبصرة أيضا في عهد الدولة الأموية. ولم يكن اتساع هاتين الحركتين في العهد العباسي إلا أثرا لهؤلاء وأمثالهم، وتقدما طبيعيا نتج من نشاط تلاميذهم.
ولكن مما لا شك فيه أن الحياة الاجتماعية التي كانت تحياها الدولة العباسية لونت العلوم والآداب بلون خاص، وجعلت لها صفات خاصة، ما كانت تكون لو استمرت الدولة الأموية في حكمها.
وهذا ما سنحاول وصفه في الباب الآتي. وسنقتصر من وصف الحياة الاجتماعية، على ما له أثر كبير في العلم والفن.
الفصل الأول
| سكان المملكة الإسلامية في هذا العصر
واضح أن الأمم تختلف في ميزاتها اختلافا كالذي بين أفرادها؛ فهي تختلف في عاداتها ، وتجاربها، وفي منهج تفكيرها، وكفايتها، ودرجة عقليتها، ومقدار ثقافتها، وحدة عواطفها، أو هدوئها.
وفوق ذلك؛ نرى أن لكل أمة «أدبا» يختلف عن أدب الأمم الأخرى، وأدب كل أمة منتزع من طبيعة إقليمها، وتاريخها، وخيالاتها، وملوكها وسوقتها، وعقلائها وسخفائها، وصلحائها ومجرميها، ومن نظامها السياسي، وعلى الجملة من كل شيء يتصل بحياتها.
نستطيع بعد ذلك أن نقول إن المملكة الإسلامية في هذا العصر كانت مكونة من أمم مختلفة؛ فقد كان من أجزائها المغرب حينا، ومصر والشام وجزيرة العرب، والعراق، وفارس، وما وراء النهر. وكانت هذه الأمم تختلف فيما بينها كل الاختلافات التي أبناها. وكلها خضعت للحكم الإسلامي، وتكون منها جميعا مملكة واحدة، وكان لكل أمة من هذه الأمم مزايا وصفات عرفت بها؛ فشهر العرب مثلا بالقدرة على الشعر؛ حتى قال أحمد بن أبي داود: «ليس أحد من العرب إلا وهو يقدر على قول الشعر، طبعا ركب فيهم، قل أو كثر