52
وأنا أميل إلى قول مصعب رغما عن حجة أبي الفرج التي ذكرها من أن بعض أهل البيت روى حديث السفياني؛ فبعض أهل البيت كان يسره كل الأخبار التي تضعف من شأن البيت الأموي وانقسامه؛ فالظاهر أنه كان لخالد ابن يزيد شيعته وأعوانه، نغص عليهم غلبة مروان بن الحكم على الحكم، وكان خالد طموحا اشتغل بالكيمياء ليغني أصحابه بالذهب إذا نجح كما تقدم، ثم وضع أحاديث المهدي، ولكنه اختار اسما أمويا وهو السفياني إشارة إلى جده «أبي سفيان». قال في النجوم الزاهرة: «وكان خالد المذكور موصوفا بالعلم والعقل والشجاعة، وكان مولعا بالكيمياء، وقيل إنه هو الذي وضع حديث السفياني (أنه يأتي في آخر الزمان) لما سمع بحديث المهدي».
53
ومن أظرف ما حدث أنه لما قال الشيعة بالمهدي وقال بعض الأمويين بالسفياني، وضع الشيعة الأحاديث بأن المهدي إذا خرج سيقابل السفياني إذا خرج، «فسيبايع الناس المهدي يومئذ بمكة بين الركن والمقام، ثم إن المهدي يقول: أيها الناس اخرجوا إلى قتال عدو الله وعدوكم، فيجيبونه ولا يعصون له أمرا، فيخرج المهدي ومن معه من المسلمين من مكة إلى الشام لمحاربة عروة بن محمد السفياني ومن معه من كلب» إلخ
54
ويروي الطبري في حوادث سنة 132. أيام النزاع بين دعاة العباسيين والأمويين أن جماعة من أهل قنسرين وحمص وتدمر تجمعوا، وقدمهم ألوف عليهم أبو محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان، فرأسوا عليهم أبا محمد، ودعوا إليه وقالوا: «هو السفياني الذي كان يذكر، وكانت موقعة شديدة انهزم فيها أتباع أبي محمد وقتل هو وأرسل برأسه إلى أبي جعفر المنصور» إلخ.
55
ويظهر أن العباسيين أيضا عز عليهم أن يكون للشيعة مهدي وللأمويين سفياني وليس لهم شيء، فرأوا أن يكون لهم أيضا «مهدي»، فوضعت لهم الأحاديث على هذا النمط؛ روى الطبراني عن ابن عمر قال، كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم
في نفر من المهاجرين والأنصار، وعلي بن أبي طالب عن يساره والعباس عن يمينه، إذ تلاحى العباس ونفر من الأنصار، فأغلظ الأنصار للعباس، فأخذ النبي
صلى الله عليه وسلم
بيد العباس وبيد علي وقال: «سيخرج من صلب هذا فتى يملأ الأرض جورا وظلما، وسيخرج من صلب هذا فتى يملأ الأرض قسطا وعدلا، فإذا رأيتم ذلك فعليكم بالفتى التميمي فإنه يقبل من قبل المشرق، وهو صاحب راية المهدي».
ويظهر أن واضع الحديث كان ماهرا فترك النص على الإشارة للزمن، فإن انتصر العلويون فالحديث يصلح لهم، وإن انتصر العباسيون صلح لهم؛ فلما انتصر العباسيون اتخذوه حجة لأنهم أصحاب الرايات التي خرجت من المشرق.
وروى الحاكم عن ابن عباس قال: منا أهل البيت أربعة: منا السفاح، ومنا المنذر، ومنا المنصور، ومنا المهدي. قال مجاهد: بين لي هؤلاء الأربعة، فقال ابن عباس: أما السفاح فربما قتل أنصاره وعفا عن عدوه؛ وأما المنذر أراه قال: فإنه يعطي المال الكثير، ولا يتعاظم في نفسه، ويمسك القليل من حقه؛ وأما المنصور فإنه يعطي النصر على عدوه على مسيرة شهر، وهو الشطر مما كان يعطي رسول الله
صلى الله عليه وسلم ؛ وأما المهدي فإنه يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، وتأمن البهائم السباع، وتلقى الأرض أفلاذ كبدها. قال: قلت: وما أفلاذ كبدها؟ قال: أمثال الأسطوانة من الذهب والفضة».
ولعل انتشار خبر المهدي وما إليه، حمل المنصور على تسمية ابنه المهدي والإيهام بأنه المهدي المنتظر. روى الأغاني أن المنصور كان يريد البيعة للمهدي، وكان ابنه جعفر يعترض عليه في ذلك، فأمر بإحضار الناس فحضروا، وقامت الخطباء فتكلموا وقالت الشعراء، فأكثرت في وصف المهدي وفضائله، وفيهم مطيع بن إياس؛ فلما فرغ من ذلك قال مطيع: حدثنا فلان عن فلان أن النبي
صلى الله عليه وسلم
قال: المهدي منا محمد وابن عبد الله، وأمه من غيرنا، يملؤها عدلا كما ملئت جورا، ثم أقبل على العباس فقال له: أنشدك الله، هل سمعت هذا؟ فقال: نعم، مخافة من المنصور.