صلى الله عليه وسلم
قال: «وإن تؤمروا عليا ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا يأخذ بكم الصراط المستقيم»:
47
ولما قتل الحسين بن علي وصفه سليمان بن صرد بأنه «مهدي ابن مهدي». وأطلقه الشعراء في دولة بني أمية حتى على بعض الخلفاء الأمويين، فقال نهار بن توسعة في سليمان بن عبد الملك:
له راية بالثغر سوداء لم تزل
تفض بها للمشركين جموع
مباركة تهدي الجنود كأنها
عقاب نحت من ريشها الوقوع
على طاعة المهدي لم يبق غيرها
فأبنا وأمر المسلمين جميع
48
وهي في كل ذلك بمعناها اللغوي الديني رجل هداه الله فاهتدى، ثم نراها تأخذ معنى جديدا وهو إمام منتظر يأتي فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا. وأول ما نعلم من إطلاقها بهذا المعنى ما زعمه كيسان مولى علي بن أبي طالب في محمد بن الحنيفة (وهو ابن علي بن أبي طالب من أم من بني حنيفة نسب إليها)، فقد زعم كيسان إمامة محمد هذا وأنه مقيم بجبل رضوى (وهو جبل على سبع مراحل من المدينة) وإلى هذا أشار كثير عزة، وكان كيسانيا فقال:
وسبط لا يذوق الموت حتى
يقود الخيل يقدمها اللواء
تغيب لا يرى فيهم زمانا
برضوى عنده عسل وماء
وكذلك فعل المختار بن أبي عبيد الثقفي، فكان يدعو الناس. إلى إمامة محمد بن الحنفية ويزعم أنه المهدي.
49
لقد مات ابن الحنفية سنة 81ه، وصلى عليه أبان بن عثمان بن عفان، وكان والي المدينة، ودفن بالبقيع، ولكن لم يشأ الكيسانية أن يؤمنوا بموته، وقالوا بغيبته وبانتظاره حتى يعود، وكان هذا أساسا لفكرة الإمام المنتظر عند الإمامية الإثنى عشرية.
وهذه العقيدة برجوع الإمام بعد غيبته أو موته هي المسماة في عرف الشيعة بالرجعة، وممن قال بالرجعة في العصر الأول عبد الله بن سبأ، فقد كان يقول برجوع محمد صلى الله عليه وسلم بعد موته. وفي أول المائة الثانية للهجرة كان جابر الجعفي (وهو أحد الكذابين قال فيه أبو حنيفة: ما رأيت أكذب منه) يقول برجعة علي بن أبي طالب، وكان يقول في قوله تعالى:
وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم
إن الدابة هي علي بن أبي طالب؛ ولما أتى القرن الثالث الهجري كان الإمامية يرون أن الأئمة كلهم يرجعون هم وأعداؤهم، وذلك حين ظهور المهدي،
50
وستأتي زيادة إيضاح لمذهبهم في الرجعة.
وزاد القول بالمهدي وانتشر وخاصة بين الشيعة، ووضعت فيه الأحاديث المختلفة، ولم يرو البخاري ومسلم شيئا عن أحاديث المهدي، مما يدل على عدم صحتها عندهما، وإنما ذكرها الترمذي وأبو داود وابن ماجه وغيرهم، من مثل ما روي أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلا مني أو من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي»، ومثل أن رسول الله قال: «لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملؤها عدلا كما ملئت جورا» إلخ. وكلها تدور على أنه «لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية ويسمى بالمهدي، وقد أجهد رجال الحديث أنفسهم في فحص سند هذه الأحاديث وأبانوا ما فيها من ضعف رجالها».
51
على الجملة انتشر في جو العصر الأموي فكرة المهدي المنتظر، وكان أكثر دعاة المهدي من الشيعة، ورأينا لبعض البيت الأموي مهديا آخر لا يسمى المهدي، ولكنه يلقب بالسفياني، وذاعت أخبار السفياني هذا في البيئات الأموية، وغيرها وكان السفياني المنتظر كالمهدي المنتظر، قال في الأغاني عن مصعب: «كان خالد بن يزيد بن معاوية يوصف بالعلم ويقول الشعر، وزعموا أنه هو الذي وضع خبر السفياني وكبره، وأراد أن يكون للناس فيه طمع حين غلبه مروان ابن الحكم على الملك وتزوج أمه أم هاشم»؛ قال صاحب الأغاني: «وهذا وهم من مصعب فإن السفياني قد رواه غير واحد وتتابعت فيه رواية الخاصة والعامة». إلخ