تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

46

مثل هذه النزعة ولهذه الحالة النفسية، وغلبة العبودية يمكن أن تثمر فيها دعوى العصمة.

ويظهر أن دعوى العصمة لم يكن يعرفها الأئمة الأولون، فقد روينا قبل قول علي في المشورة، لأنه لا يؤمن الخطأ من نفسه، وروينا تخطئة الحسين للحسن في صلحه مع معاوية.

إنما وجد القول بالعصمة من غلاة الشيعة أولا، ولم يكن يسلم به الأئمة الأولون ثم زاد القول في آخر الدولة الأموية، وكانت العصمة مسلكا من مسالك الدعوة لآل البيت، وتحريضا للناس على الثورة ضد الظالمين من الأمويين. •••

ويتصل بهذه العصمة قولهم بأن الأئمة وسطاء بين الله والناس وشفعاء، وأن الاعتقاد فيهم كاف في محو السيئات ورفع الدرجات. روى ابن بابويه القمي عن الفضل بن عمرو قال: «قلت لأبي عبد الله: لم صار علي قسيم الجنة والنار؟ قال: لأن حبه إيمان وبغضه كفر، وإنما خلقت الجنة لأهل الإيمان، والنار لأهل الكفر، فهو قسيم الجنة والنار، لا يدخل الجنة إلا محبوه، ولا يدخل النار إلا مبغضوه».

ويقول بعضهم:

حب علي في الورى جنة

فامح بها يارب أوزاري

لو أن ذميا نوى حبه

حصن في النار من النار

ويقول ابن هانئ:

هذا الشفيع لأمة يأتي بها

وجدوده لجدودها شفعاء

وكتب الشيعة مملوءة بالأحاديث والأخبار الدالة على هذا المبدأ، وفيه هدم لمبدأ الإسلام الجميل، وهو مسئولية الإنسان وأن قيمة كل إنسان عمله

فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره

وأن كائنا من كان حتى الأنبياء لا يغنون عن أحد شيئا

يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ،

واتقوا يوما لاتجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ،

قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا .

ففي الاعتقاد بأن الحب لآل البيت والأئمة غناء إهدار ركن من أعظم أركان الإسلام، وهو المطالبة بالعمل الصالح وارتباط الثواب به، والنهي عن العمل السيئ وارتباط العقوبة به إذ يكفي حب آل البيت ثم ترتفع التكاليف.

لقد دخل على المسلمين من جراء العصمة والمبالغة في الشفاعة ضرر كبير، ولم يقتصر الضرر على الشيعة إذ تسربت تعاليمهم إلى غيرهم من الفرق الأخرى الإسلامية؛ فكان السنيون إذا رأوا الشيعة ينسبون عملا وفضلا لإمام نسبوا مثله للأنبياء على الأقل؛ فغلا بعضهم في القول بعصمة الأنبياء من الكبائر والصغائر قبل النبوة وبعدها، وهو مخالف لصريح القرآن؛ ورأوا أن الشيعة يقولون بأن للأئمة نورا، فقال بعضهم. إن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

لم يكن له ظل؛ ورأوا الشيعة تقول إن الإمامة تورث، فزعم بعض الصوفية أن مشيخة الطرق تورث، فنور الشيخ ينتقل منه إلى ابنه، وإذا مات وخلف صبيا فهو الشيخ ولو كان رضيعا لأن فيه نور أبيه؛ ورأوا الشيعة تقول بعصمة الأئمة، فاعتقد العامة بعصمة الأولياء، فلا يصح الطعن على من سموه وليا ولو رأوه يشرب الخمر، وكفوا ألسنتهم وأيديهم عنه، بل وتبركوا به، لأنه فوق أن يسأل عن عمله. وكم فسد الإسلام من هذه الأوهام، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.

المهدي:

ومن عقائد الشيعة البارزة الاعتقاد في المهدي، وكلمة المهدي اسم مفعول من هدى، يقال هداه الله الطريق أي عرفه ودله عليه وبينه له فهو مهدي. ولم ترد في القرآن كلمة المهدي وإنما ورد المهتدي:

من يهد الله فهو المهتد ، وورد الهادي

ولكل قوم هاد ، وقد ورد في شعر حسان بن ثابت وصف النبي

صلى الله عليه وسلم

بالمهتدي:

بأبي وأمي من شهدت وفاته

في يوم الاثنين النبي المهتدى

ووصفه بالهادي:

بالله ما حملت أنثى ولا وضعت

مثل النبي رسول الرحمة الهادي

ووصفه أيضا بالمهدي في قوله في رثائه

صلى الله عليه وسلم :

ما بال عيني لا تنام كأنما

كحلت مآقيها بكحل الأرمد

جزعا على المهدي أصبح ثاويا

ياخير من وطئ الحصا لا تبعد

وقد وردت في بعض الأحاديث كلمة المهدي وصفا لعلي، فقد روي أن رسول الله

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٩٦