44
وأغلب الظن أن بحث المتكلمين في عصمة الأنبياء متأخر عن قول الشيعة في عصمة الإمام، كما أن أغلب الظن أن الذي دعا إلى هذه الفكرة ما نشأ بين الشيعة وخصومهم من دعوى التفاضل، فقد فضل الشيعة عليا وفضل «أهل السنة» أبا بكر وعمر، وبدأت من ذلك الحين نغمة تعداد الفضائل لكل، فلم يكتف كل فريق بالحقائق، بل وضعوا الأحاديث لرفعة صاحبهم كما نقلنا قبل من النصوص الدالة على ذلك
45
وأتت الخلفاء بعد من الأمويين والعباسيين لأهل السنة كما تسلسل الأئمة للشيعة، فبقي التفاضل على مرور الزمان تعلو نغماته، ولكن خلفاء «أهل السنة لم تسبغ عليهم العصمة. وأئمة الشيعة أسبغت عليهم العصمة لأسباب: (1)
أن الخلفاء من عهد أبي بكر وعمر ثم الأمويين والعباسيين، قد تسلموا زمام الحكم وباشروا سياسة الرعية فعلا، ومباشرة الحكم - من جهة - تعرض الحاكم للعمل، فإذا عمل تعرض للخطأ والصواب، وكل ما في الأمر أن الأشخاص الحاكمين يختلفون؛ فبعضهم صوابه أكثر من خطئه، وبعضهم خطؤه أكثر من صوابه. وليس من الممكن في طبيعة الحكام أن يصيبوا دائما؛ ومن جهة أخرى. فتصرفاتهم اليومية حتى غير ما يتعلق منها بالحكم ظاهرة للخاصة منقولة على ألسنتهم للعامة، ولذلك عرفنا منهم من كان يشرب، ومن كان لا يشرب، ومن كان يحب الجواري، ومن كان لا يحب، ومن كان يغني أو يحب الغناء ومن لا يغني ومن لا يميل للغناء. على الجملة عرفنا كل تفاصيل حياتهم بمحاسنها ومساوئها وصوابها وخطئها، ومحال أن تدعي العصمة لهؤلاء بعد ذلك. أما أئمة الشيعة فلم يتولوا الحكم إلا أياما قليلة، في عهد علي كانت أيام حرب وعدم استقرار، والأئمة بعد ذلك لم يتعرضوا للحكم ولم يتعرضوا للجمهور، فلم تجرب أعمالهم، ولم تظهر تصرفاتهم، ويضاف إلى ذلك أنهم مضطهدون اضطهادا مستمرا من الولاة والخلفاء، وعواطف الناس دائما مع المضطهد المظلوم، وهي على عكس ذلك مع المضطهد ومن يتولى الحكم.
إن نصف الناس أعداء لمن
ولي الأحكام هذا إن عدل
فدعوى عصمتهم تجد مرتعا خصيبا يساعد عليها تستر الأئمة وأحيانا غيبتهم، فهم لم يتعرضوا للحكم حتى يختبروا وتظهر أعمالهم، إنهم أحيطوا بجو خفاء وغموض يهيئان النفوس لقبول دعوى العصمة؛ ولو ادعيت العصمة لبني أمية والعباس لكانت مهزلة تقابل بالضحك والاستخفاف. (2)
وسبب آخر وهو أن أكثر من كان يحيط بالخلفاء في الصدر الأول والعهد الأموي من العرب، والعرب أمة ديمقراطية تنظر إلى الخليفة نظرهم إلى أحدهم، لا يمتاز عنهم كثيرا، بل منهم من كان يغلو في الديمقراطية أيام النبي نفسه فكان القرآن يحد من هذا الغلو في الديمقراطية، ويقول لهم
لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي . ووفد على النبى وفد بني تميم وقت الظهيرة وهو راقد، فجعلوا ينادونه يا محمد اخرج لنا؛ فاستيقظ فخرج ونزلت:
إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون
ودخل عيينة بن حصن على النبي
صلى الله عليه وسلم
وعنده عائشة من غير استئذان، فقال رسول الله: أين الاستئذان؟ قال يا رسول الله ما استأذنت على رجل قط ممن مضى منذ أدركت، ثم قال: من هذه الجميلة إلى جانبك؟ فقال
صلى الله عليه وسلم : هذه عائشة أم المؤمنين. فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟ قال: أحمق مطاع، وإنه على ما ترين لسيد قومه؛ ونزل في ذلك قوله تعالى:
يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق
إلى غير ذلك. وكانوا مع من بعده من الخلفاء أشد جرأة، والتاريخ مملوء بالشواهد على ذلك. وهذه الديمقراطية الغالية أحيانا والمعتدلة أحيانا يستحيل أن تنمو فيها بذرة دعوة إلى عصمة. أما التشيع فكان حوله، خصوصا في آخر العهد الأموي والعهد العباسي، كثير من الفرس ربوا على أرستقراطية الملوك، وورثوا عن آبائهم نظرة التقديس لملوكهم؛ وسمي العرب هذه النزعة كسروية نسبة إلى كسرى ملك الفرس، لأنهم لا يعرفونها بين العرب. قال الثعالبي النيسابوري في كتابه (المضاف والمنسوب) بعد أن ذكر عدل كسرى أنو شروان: «فأما سائر الأكاسرة فإنهم كانوا ظلمة فجرة، يستعبدون الأحرار، ويجرون الرعية مجرى الأجراء والعبيد والإماء، فلا يقيمون لهم وزنا، ويستأثرون عليهم حتى بأطايب الأطعمة والثياب الحسنة والمراكب والنساء الحسان، والدور السرية، ومحاسن الآداب؛ فلا يجترئ أحد من الرعايا أن يطبخ سكباجا، ويلبس ديباجا، أو يركب هملاجا، أو ينكح امرأة حسناء، أو يبني دارا قوراء، أو يؤدب ولده، أو يمد إلى مروءة يده، وكانوا يبنون أمورهم على معنى قول عمرو بن مسعدة للمأمون: «ملك ما يصلح للمولى على العبد حرام».