تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويظهر أن قول الشيعة في الأئمة هو السبب في بحث المتكلمين في عصمة الأنبياء ووضعه بحثا في علم الكلام؛ فذهب قوم من المرجئة وابن الطيب الباقلاني من الأشعرية ومن اتبعه إلى أن الرسل غير معصومين إلا من الكذب في التبليغ فإنه لا يجوز عليهم؛ وذهبت طائفة إلى أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يجوز عليهم كبيرة من الكبائر أصلا، وجوزوا عليهم الصغائر؛ وذهب جمهور أهل الإسلام من أهل السنة والمعتزلة والخوارج والشيعة إلى أنه لا يجوز البتة أن يقع من نبي أصلا معصية عن عمد لا صغيرة ولا كبير ة. ويقول ابن حزم: إنه يقع من الأنبياء السهو عن غير قصد، ويقع منهم أيضا قصد الشيء يريدون به وجه الله والتقرب منه فيوافق خلاف مراد الله، إلا أنه تعالى لا يقرهم على شيء من هذين الوجهين أصلا، بل ينبههم على ذلك، ويظهر ذلك لعباده ويبين لهم.

41

ويقول المواقف وشرحه: «أجمع أهل الملل والشرائع على عصمة الأنبياء من تعمد الكذب فيما دل المعجز على صدقهم فيه كدعوى الرسالة وما يبغونه عن الله ... وأما سائر الذنوب فهي إما كفر أو غيره، فأما الكفر فأجمعت الأمة على عصمتهم منه ... وأما غير الكفر فإما كبائر أو صغائر، وكل منهما إما عمدا وإما سهوا، أما الكبائر عمدا فمنعه الجمهور ... وأما صدورها عنهم سهوا أو على سبيل الخطأ في التأويل فجوزه الأكثرون ... وأما الصغائر عمدا فجوزه الجمهور إلا الجبائي، وأما سهوا فهو جائز اتفاقا؛ واستثنى أكثر المعتزلة الصغائر الخسيسة، وهي ما يحكم على صاحبها بالخسة ودناءة الهمة، فإنها لا تجوز أصلا لا عمدا ولا سهوا. هذا كله بعد الوحي، وأما قبله فقال الجمهور: لا يمتنع أن يصدر عنهم كبيرة. وقال أكثر المعتزلة: تمتنع عليهم الكبيرة، لأن صدورها يوجب النفرة وهي تمنع من إتباعه فتفوت مصلحة البعثة».

42

فظاهر من هذا أن جمهور المسلمين لم ينظروا حتى إلى الأنبياء نظر الشيعة إلى الأئمة، ولم يمنحوا الأنبياء العصمة المطلقة حتى من الخطأ والنسيان، وحتى قبل النبوة كالذي قاله الشيعة في الأئمة.

وفكرة العصمة للأمة بعيدة عن الإسلام وتعاليمه، كما أنها بعيدة عن الطبائع البشرية التي ركبت فيها الشهوات، وركب فيها الخير والشر، ومزجت فيها الميول المتعاكسة؛ وفضيلة الإنسان الراقي ليس في أنه معصوم، بل في أنه قادر على الخير والشر، وينجذب إليهما، وهو في أكثر الأحيان ينجذب إلى الخير، ويدفع الشر. أما الطبيعة المعصومة فطبيعة الملائكة الذين

لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون مايؤمرون

لا طبيعة الإنسان الذي لو فقد شهوته لفقد حيويته.

ويعجبني في ذلك قول الغزالي في التوبة: «وليس في

الوجود آدمي

إلا وشهوته سابقة على عقله، وغريزته التي هي عدة الشيطان متقدمة على غريزته التي هي عدة الملائكة. فكان الرجوع عما سبق إليه على مساعدة الشهوات ضروريا في حق كل إنسان نبيا كان أو غبيا، فلا تظن أن هذه الضرورة اختصت بآدم عليه السلام

43

وقد قيل:

فلا تحسبن هندا لها الغدر وحدها

سجية نفس، كل غانية هند

بل هو حكم أزلي مكتوب على جنس الإنس لا يمكن فرض خلافه ما لم تتبدل السنة الإلهية التي لا مطمع في تبديلها ... فكل بشر لا يخلو عن معصية بجوارحه إذا لم يخل عنه الأنبياء، كما ورد في القرآن والأخبار من خطايا الأنبياء وتوبتهم وبكائهم على خطاياهم، فإن خلا في بعض الأحوال عن معصية الجوارح فلا يخلو عن الهم بالذنوب بالقلب، فإن خلا في بعض الأحوال عن الهم فلا يخلو عن وسواس الشيطان بإيراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله، فإن خلا عنه فلا يخلو عن غفلة وقصور في العلم بالله وصفاته وأفعاله ... ولا يتصور الخلو، في حق الآدمي عن هذا النقص، وإنما يتفاوتون في المقادير؛ فأما الأصل فلابد منه، ولهذا قال عليه السلام: «إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة»

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٩٤