وأظن أن الزمن الذي أفهم الناس حقوقهم وواجباتهم، وحررهم مما يشل تفكيرهم يعدل بإخواننا الشيعة عن هذا النظر في الأئمة الذي لا يصلح إلا لأن يدون في التاريخ - على أنهم في حياتهم العملية سائرون على هذه الطريقة فعلا من إدخال الإصلاحات الاجتماعية والمجالس النيابية، ومشايعة المدنية الغربية - وهذا لا يتفق ونظرية الإمامة، وترقب المهدي المنتظر؛ وليس من العدل أن تكون أفكار رجال الدين في جانب، والحياة الواقعية من جانب، فمهمتهم أكبر من أن يلقنوا تعاليم الإمامة نظريا وتلقينها كذلك؛ إنما مهمتهم مواجهة الواقع، وإصلاح ما فيه من خطأ إن كان. •••
ولنعد بعد إلى موقفنا في شرح تعاليم الشيعة.
من أهم تعاليمهم التي تتصل بالخلافة أو الإمامة مسائل أربع هي:
العصمة ، و
المهدية ، و
التقية ، و
الرجعة ؛ وهي كلمات كثيرة الدوران في المذهب الشيعي.
فأما العصمة فيقصدون منها أن الأئمة - كالأنبياء - معصومون في كل حياتهم، ولا يرتكبون صغيرة ولا كبيرة، ولا تصدر عنهم أية معصية، ولا يجوز عليها خطأ ولا نسيان. ونظر الشيعة في ذلك وحججهم نلخصها فيما يأتي: (1)
قالوا إن الذي دعا إلى نصب الإمام هو جواز الخطأ من الأمة، فإذا جاز الخطأ أيضا من الإمام لاحتجنا إلى هاد آخر، وهو مثله، فيلزم من ذلك التسلسل.
ورد عليهم خصومهم بأن الحاجة إلى الإمام ليست هي جواز الخطأ من الأمة؛ بل وظيفته تنفيذ الأحكام ودرء المفاسد، وحفظ بيضة الإسلام، ولا حاجة في ذلك إلى العصمة، بل يكفي الاجتهاد والعدالة. (2)
واستدلوا أيضا بأنه حافظ للشريعة، فيلزم أن يكون معصوما حتى يؤمن على حفظها، وإلا احتاج إلى حافظ آخر.
وكان جواب خصومهم أن الإمام ليس هو الحافظ وإنما هو المنفذ، وحافظ الشريعة هم العلماء لقوله تعالى:
والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ؛ وقوله تعالى:
كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون - ولو كان وجود المعصوم ضروريا لوجب أن يكون في كل قطر بل في كل بلدة؛ إذ الواحد لا يكفي للجميع لانتشار المكلفين في الأقطار - ونصب نائب عنه لا يفيد لأن النائب غير معصوم.
ومما ردوا به عليهم أيضا ما روي عن علي في «الكافي» أنه قال لأصحابه: «لا تكفوا عن مقالة بحق، أو مشورة بعدل، فإني لست آمن أن أخطئ»، وما روي أن الحسين كان يظهر الكراهة من صلح أخيه الحسن مع معاوية ويقول: «لو جز أنفي كان أحب إلي مما فعله أخي»، إلى آخر ما قالوا.
وهذه العقيدة بعصمة الأئمة غريبة حقا على الإسلام، فلم نعرف هذا الموضوع أثير في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا صدر الإسلام، بل ولا نعرف وصف العصمة أسند إلى الأنبياء في هذا العصر، وروح القرآن الكريم لا يفهم منها دعوى العصمة لأحد من الناس، وفي القرآن:
وعصى آدم ربه فغوى : وموسى وكز الرجل فقتله:
فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ، وقال:
رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ؛ وفي القرآن قصة سليمان:
إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد، فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ، ويونس:
إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه
ونبينا يقول الله له:
ووجدك ضالا فهدى
ويقول له:
وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ، ويقول له:
عفا الله عنك لم أذنت لهم ، وعاتبه بقوله تعالى:
عبس وتولى أن جاءه الأعمى، وما يدريك لعله يزكى ؛ ويعترف القرآن للنبي بذنوب غفرها الله له:
ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ،
لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ؛ ويؤكد رسول الله في القرآن أنه بشر
هل كنت إلا بشرا رسولا ،
إن أنا إلا نذير وبشير .
فمفهوم هذه الآيات واضح، وهي لا تتفق مطلقا مع ما يدعيه الشيعة لعصمة أئمتهم، فإذا كان هذا ما قصه الله عن الأنبياء، فكيف يرقى الأئمة منزلة فوق منزلة الأنبياء.