إن شئت فاستعرض ديوان ابن هانئ الأندلسي المغربي الشيعي تر العجب العجاب، فاستمع مثلا لما يقوله في مدح المعز لدين الله الفاطمي:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار
فاحكم فأنت الواحد القهار
وكأنما أنت النبي محمد
وكأنما أنصارك الأنصار
أنت الذي كانت تبشرنا به
في كتبها الأحبار والأخبار
هذا إمام المتقين ومن به
قد دوخ الطغيان والكفار
هذا الذي ترجى النجاة بحبه
وبه يحط الإصر والأوزار
هذا الذي تجدي شفاعته غدا
حقا وتخمد أن تراه النار
من آل أحمد كل فخر لم يكن
ينمى إليهم ليس فيه فخار
كالبدر تحت غمامة من قسطل
صحيان لا يخفيه عنك سرار
وفيها يقول:
أبناء فاطم! هل لنا في حشرنا
لجأ سواكم عاصم ومجار
أنتم أحباء الإله وآله
خلفاؤه في أرضه الأبرار
أهل النبوة والرسالة والهدى
في البينات وسادة أطهار
والوحي والتأويل والتحريم
والتحليل لا خلف ولا إنكار
إن قيل من خير البرية لم يكن
إلا كم خلق إليه يشار
لو تلمسون الصخر لا نبجست به
وتفجرت وتدفقت أنهار
أو كان منكم للرفات مخاطب
لبوا وظنوا أنه إنشار
وفيها يقول:
شرفت بك الآفاق وانقسمت بك ال
أرزاق والآجال والأعمار
عطرت بك الأفواه إذ عذبت لك الأم
واه حين صفت لك الأكدار
جلت صفاتك أن تحد بمقول
ما يصنع المصداق والمكثار
والله خصك بالقران وفضله
واخجلتي! ما تبلغ الأشعار
ويقول في طاعة الإمام:
فرضان من صوم وشكر خلافة
هذا بهذا عندنا مقرون
فارزق عبادك منك فضل شفاعة
واقرب بهم زلفى فأنت مكين
لك حمدنا لا أنه لك مفخر
ما قدرك المنثور والموزون
قد قال فيك الله ما أنا قائل
فكأن كل قصيدة تضمين
ويقول في أن الإمام من نور الله:
وما سار في الأرض العريضة ذكره
ولكنه في مسلك الشمس سالك
وما كنه هذا النور نور جبينه
ولكن نور الله فيه مشارك
ويقول:
لي صارم وهو شيعي كحامله
يكاد بسبق كراتي إلى البطل
إذا المعز معز الدين سلطه
لم يرتقب بالمنايا مدة الأجل
كما يلقى ضوءا على فهم ما يقوم به شيعة الإسماعيلية نحو «السير» محمد شاه ابن أغا علي المعروف بأغاخان (وهو من نسل الحسن بن الصباح صاحب قلعة الموت، والحسن هذا من نسل علي بن أبي طالب)، وهو في منتهى الغنى ومعروف في الأوساط الأرستقراطية الأوروبية، وله خيل سباق تشترك في أشهر الحفلات، ويعيش عيشة بذخ وترف، ومع هذا يجبي إليه الإسماعيلية عشر أموالهم، وينظرون إليه نظرة تقديس.
إن شئت نظرا معتدلا هادئا فوازن بين قوم يرون أن إمامهم أحد الناس يجري عليه ما يجري عليهم، ويخطئ كما يخطئون، ويصيب كما يصيبون، فإذا أخطأ نقد، وإذا أصر على الخطأ عزل، وهو ليس إلا خادما للأمة، فإذا لم يؤد الخدمة نحي؛ وبين قوم يرون أن إمامهم معصوم لا يأتي بخطأ، ويجب أن تحور العقول ويقلب وضعها في الرؤوس حتى تفهم أن ما يأتي الإمام به عدل كائنا ما كان.
وانظر كيف يسعد الأولون، وكيف تتحرر عقولهم، وكيف يخشاهم إمامهم، وكيف يسعون دائما نحو الكمال بما يثيرون من نقد وما يعالجون من إصلاح، وكيف يفسد أمر الآخرين، وتشل عقولهم، ويتدهورون في شئونهم.
إني أرى رأيا لا تحيز فيه أن نظر أهل السنة إلى الخلافة كان أعدل وأقوم وأقرب إلى العقل، وإن كانوا يؤاخذون مؤاخذة شديدة على أنهم لم يطبقوا نظريتهم تطبيقا جريئا؛ فلم ينقدوا الأئمة نقدا صريحا، ولم يقفوا في وجوههم إذا ظلموا، ولم يقوموهم إذا جاروا، ولم يضعوا الأحكام الحاسمة في موقف الخليفة من الأمة، وموقف الأمة من الخليفة، بل استسلموا لهم استسلاما معيبا، فجنوا بذلك على الأمة أكبر جناية، ولكنهم كانوا أحسن حالا من الشيعة؛ فهناك من مؤرخيهم من دونوا تاريخ الخلفاء في الأمانة، وصوروهم كما يعتقدون، وعابوا بعض تصرفاتهم؛ ومن المشرعين من وضعوا الأحكام السلطانية يبينون فيها ما يجب للإمام، وما يجب للأمة؛ إلى غير ذلك. وعلى كل حال فنحن الآن نوازن بين النظريتين، ونقارن بين الوجهتين.