تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما الإمام في نظر الشيعة ففوق أن يحكم عليه، وهو فوق الناس في طينته وتصرفاته، وهو مشرع وهو منفذ، ولا يسأل عما يفعل، والخير والشر يقاس به، فما عمله فهو خير، وما نهى عنه فشر، وهو قائد روحي، وله سلطة روحية تفوق حتى سلطة البابا في الكنيسة الكاثوليكية؛ فالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج لا تنفع إلا بالإيمان به، كما لا تنفع أعمال الكافر من غير إيمان بالله ورسوله.

وظاهر أن عقيدة الشيعة على هذا المنوال تشل العقل، وتميت الفكر، وتعطي للخليفة أو الإمام سلطة لا حد لها، فيعمل ما يشاء، وليس لأحد أن يعترض عليه، ولا لثائر أن يثور في وجهه ويدعي الظلم، لأن العدل هو ما فعله الإمام. وهي أبعد ما تكون عن الديمقراطية الصحيحة التي تجعل الحكم للشعب في مصلحة الشعب، وتزن التصرفات بميزان العقل، ولا تجعل الخليفة والإمام والملك إلا خادما للشعب، فيوم لا يخدمهم لا يستحق البقاء في الحكم.

حكم الإمام في نظر الشيعة حكم ديني معصوم، وفي هذا إفناء لعقليتهم، وتسليم مطلق لتصرفات أئمتهم؛ وأين هذا النظر من النظر المستند إلى الطبيعة، وهو أن الله لم يخلق فرعا أو أسرة من الناس تمتاز كلها - متسلسلة - بامتياز لا حد له، وفوق مستوى كل الناس في العقل والدين والحكم والتصرف. إن المشاهد والمعقول أن كل أسرة فيها الطالح والصالح والذكي والغبي، وكلنا أولاد آدم، وفينا أصلح الناس وأفسد الناس؛ وولدا آدم لصلبه قال فيهما الله تعالى:

واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين ، وابن نوح قال الله فيه:

يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ؛ وقال الله:

وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ؛

ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين ؛ ورسول الله

صلى الله عليه وسلم

يقول لابنته فاطمة - وهو يعظها -: (يا فاطمة! اعملي فلن أغني عنك من الله شيئا).

فهذه الآيات كلها تدل على أن القرابة والنسب لا مدخل لهما في تقويم الأشخاص، وليس الصلاح والتقوى والعلم تورث كما يورث المال، إنما هي أمور خاضعة لقوانين أخرى غير قانون الإرث المالي. ومن مزايا الإسلام العظيمة تقريره أن الإنسان يوزن بأعماله لا بآبائه ولا بجاهه ولا بماله:

فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ، وقد كان من الموالي من هو أقرب لرسول الله من بعض القرشيين. فدعوى أن الإمامة إرث وأن الإمام معصوم، وأن الإيمان بالإمام يجب المعاصي، قلب لنظام الإسلام وهدم لأهم مبادئه.

وقد كان عمر يخطئ وأبو بكر يخطئ وعلي يخطئ؛ ولو كان لعلي كل هذا الذي يدعونه للإمام من عصمة وعلم ببواطن الأمور وخفاياها ونتائجها لتغير وجه التاريخ، ولما قبل التحكيم، ولدبر الحروب خيرا مما دبر؛ فإن ادعوا أنه علم وسكت وتصرف وفق القدر، فهو خاضع للظروف خضوع الناس، تتصرف فيه حوادث الزمان كما تتصرف في الناس؛ خاضع للحكم عليه بالخطأ والصواب خضوع الناس؛ والنبي نفسه يقول

ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني .

الحق أن هذه أوهام جرت على الناس البلاء، وجعلتهم يذلون ويخضعون خضوعا مطلقا للظلم والفساد، ويرضون به، ولا يرفعون صوتهم بالنقد، بل ولا يقومون بأضعف الإيمان وهو الاستنكار بالقلب.

وهذا النظر الشيعي إلى الإمام يلقى على تاريخ الفاطميين وعلى كل الدول الشيعية ضوءا قويا، فنعرف السر لم كان يخضع الناس للخلفاء، وكيف ينظرون إليهم نظر تقديس، وكيف كانت تقابل أعمالهم مهما جارت وظلمت بالقبول والاستحسان.

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٩١