32
وقال أبو جعفر: كل من دان الله بعباده يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول، وهو ضال متحير، والله شانئ لأعماله.
33
وقال أيضا، قال الله تبارك وتعالى: لأعذبن كل رعية في الإسلام دانت بولاية كل إمام جائر ليس من الله، وإن كانت الرعية في أعمالها برة تقية، ولأعفون عن كل رعية في الإسلام دانت بولاية كل إمام عادل من الله، وإن كانت الرعية في أنفسها ظالمة مسيئة.
34
والإمام إذا مات لا يغسله إلا إمام. وقال أبو عبد الله: إن الله جل وعز إذا أراد أن يخلق الإمام من الإمام بعث ملكا فأخذ شربة من تحت العرش ودفعها إلى الإمام فشربها فيمكث في الرحم أربعين يوما لا يسمع الكلام ... فإذا وضعته أمه بعث الله إليه ذلك الملك الذي أخذ الشربة فكتب على عضده الأيمن «وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته»، فإذا قام بهذا الأمر رفع الله له في كل بلدة منارا ينظر به إلى أعمال العباد.
35
والملائكة تدخل بيوت الأئمة وتطأ بسطهم وتأتيهم بالأخبار،
36
وليس من الحق في أيدي الناس إلا ما خرج من عند الأئمة، وأن كل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل.
37
والأرض كلها للإمام، قال تعالى:
إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ، وأهل البيت هم الذين أورثهم الله الأرض وهم المتقون. وفي كل من الغنائم والغوص والكنوز والمعادن والملاحة الخمس، قال تعالى:
واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ، وللإمام نصف هذا الخمس؛ لأن الخمس يقسم على ستة أسهم: سهم لله، وسهم للرسول، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل، فما لله ولرسوله ولذي القربى للإمام،
38
فللإمام العشر من كل ما ذكرناه، والعشر الآخر ليتامى أهل البيت وحدهم ومساكينهم وأبناء السبيل منهم، فالخمس كله لأهل البيت، نصفه للإمام ونصفه لمن ذكرنا من أهل البيت. «وإنما جعل الله هذا الخمس خاصة لهم دون مساكين الناس وأبناء سبيلهم عوضا عن صدقات الناس، وتنزيها من الله لهم لقرابتهم برسول الله
صلى الله عليه وسلم
وكرامة من الله لهم من أوساخ الناس»؛
39
وأما ما أخذ من غير أن يوجف عليه بخيل ولا ركاب فهي الأنفال، وهي لله ولرسوله خاصة، فتؤول للإمام وحده؛ وكذلك الآجام والمعادن والبحار والمفاوز، فهي للإمام خاصة، فإن عمل فيها قوم بإذن الإمام فلهم أربعة أخماس وللإمام الخمس، وتجري على الخمس الأحكام التي ذكرنا قبل.
40 •••
هذه خلاصة نظر الشيعة إلى الإمام مستمدة من أوثق كتبهم، ومعتمدة على ما روي من أقوال الأئمة أنفسهم مجردة من الشروح والحواشي، فهم بهذا النظر يسبغون على الإمام نوعا من التقديس، فهو يتلقى علمه من الله عن طريق الوحي، ويعده الله إعدادا خاصا من حين أن يكون نطفة، ويحفظه برعايته السامية، ويعصمه من الذنوب، ويورثه علم الأنبياء والمرسلين، ويطلعه على كل ما كان وما سيكون. وكان النبي
صلى الله عليه وسلم
يعلم علما علمه الناس، وعلما آثر به عليا، وعلي آثر به وصيه، وهكذا إلى المهدي الثاني عشر. والإمام ظل الله في أرضه، ونور الله في أرضه، والوسيلة الوحيدة لمعرفة الحق والباطل إلخ، والاعتقاد بذلك جزء من الإيمان، كالإيمان بالله ورسوله لا تنفع أعمال الإنسان إلا به، بل إن عصيان المؤمن قد يخففه أو يمحوه الإيمان بالإمام.
وهم بهذا يختلفون اختلافا كبيرا عن «أهل السنة» ونظرهم إلى الخليفة، فالخليفة عند «أهل السنة» إنسان ككل الناس، ولد كما يولد الناس، وتعلم أو جهل كما يتعلم الناس أو كما يجهل الناس؛ ليس له من مزية إلا أن كفايته وأخلاقه جعلت الناس يختارونه، أو أنه تلقى الخلافة ممن قبله، ليس يتلقى وحيا وليس له سلطة روحية، إنما هو منفذ للقانون الإسلامي، وقد ينحرف عن التنفيذ فلا طاعة له على الناس، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ وليس له أن يشرع إلا في حدود القوانين الإسلامية وإلا فتشريعه باطل، ثم قد يجور وقد يعدل، وقد يتهتك ويشرب الخمر فيكون عاصيا؛ والمؤرخون أحرار في تشريحه كتشريح كل الناس، ويزنونه بنفس الموازين التي توزن بها أعمال الناس، وإن انحرف واستطاعوا عزله عزلوه.