تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نعم نجد كثيرا من الحرائر اشتغلن ببعض العلوم، ولكن أكثر ما اشتغلن به كان الباعث عليه دينيا ككثير من المحدثات والمتصوفات. ولكن هذا ليس موضوعنا هنا، إنما موضوعنا الاشتغال بالفنون، والجواري من غير شك في هذا الباب كن أكثر وأظهر .

مصداق ذلك أنا نجد من الناحية الإنشائية كثيرا من الجواري أدبيات متفننات، لا يدانيهن في ذلك الحرائر، فيقول الأغاني في عريب: «كانت مغنية محسنة، وشاعرة صالحة الشعر، وكانت مليحة الخط والمذهب في الكلام، ونهاية في الحسن والجمال والظرف وحسن الصورة، وجودة الضرب، وإتقان الصنعة والمعرفة بالنغم والأوتار، والرواية للشعر والأدب.»

51

ويقول في «متيم»: «كانت صفراء مولدة من مولدات البصرة، وبها نشأت وتأدبت وغنت، وأخذت عن «إسحاق الموصلي» وعن أبيه من قبله، وكانت من أحسن الناس وجها وغناء وأدبا، وكانت تقول الشعر ليس مما يستجاد، ولكنه يستحسن من مثلها.»

52

ويقول في «دنانير» جارية يحيى بن خالد البرمكي: «كانت من أحسن الناس وجها، وأظرفهم وأكملهم، وأحسنهم أدبا، وأكثرهم رواية للغناء والشعر.»

ومن الناحية الأخرى كان الجواري أكثر إيحاء للشعراء بمعاني الشعر للسبب الذي بينا، فبشار يعشق جارية يقال لها «فاطمة»، سمعها تغني فهويها، وقال فيها الشعر، كما قال الشعر في جارية له سوداء. وحياة دعبل الخزاعي، ومسلم بن الوليد (صريع الغواني) مملوءة بما حدث لهم مع الجواري والشعر فيهن، وأبو نواس كان يهوى جارية اسمها «جنان»؛ وهي جارية لآل عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وكانت جميلة أديبة تعرف الأخبار وتروي الأشعار، يقال: إن أبا نواس لم يصدق في حبه امرأة غيرها، وقد أكثر فيها من بدائع شعره، وشغف العباس بن الأحنف بفوز، وكانت جارية لمحمد بن منصور، فأتى في شعره فيها بالممتع.

هذا قليل من كثير مما ملئت به كتب الأدب من شعر وقصص، ومما كان بين الفتيان والشعراء والأدباء، وبين الجواري في ذلك العصر.

ولئن اغتبط الأدباء بما أنتجته هذه الحالة الاجتماعية من شعر رقيق، وفن بديع، فإن رجال الدين والخلق ساءهم ما نتج عن ذلك من لهو خليع، واستهتار شنيع. وأخذ الأولون يحثون الناس على الاستمتاع بهذه الحياة وجني ثمارها، وأخذ الآخرون ينعون على الناس لهوهم وفجورهم، ثم يفرون من هذا كله إلى الزهد في الحياة، والهرب من لذائذها، كما سنعرض ذلك في الفصل التالي.

الفصل الخامس

| حياة اللهو وحياة الجد

هل كان الناس يعيشون في ذلك العصر عيشة ترف ونعيم، ولهو ومجون، أو عيشة جد وعفة؟ وهل كان الخلفاء العباسيون الأولون يتحرون أوامر الدين ويتقيدون بها، ولا ينعمون إلا بما أحل الله، كما يصورهم بعض المؤرخين، أو هم تحللوا من كثير من القيود، وأسرفوا في اللهو كما يصوره آخرون؟ وهل كانت حالة الشعب رخية سعيدة، أو بائسة شقية؟ وما أثر ذلك كله في العلم والفن والأدب؟

ذلك ما نحاول الإجابة عنه في هذا الفصل. •••

إذا نحن نظرنا نظرة عامة لنقارن بين الحياة الأموية، والحياة العباسية وجدنا الأولى أقل تكلفا، وأكثر سذاجة، وأدل على الذوق العربي البدوي البسيط. وأكبر ظاهرة تراها أن سيطرة العنصر العربي في العهد الأموي صبغته بهذه الصبغة، وجعلته إذا أراد الترف والنعيم، تخير من ترف الأمم الأخرى ونعيمها، ولم يأخذه كما هو بحذافيره، ثم هو يعدل فيه حسب ذوقه وميوله، ويجعله شيئا آخر عربيا لا فارسيا صرفا، ولا روميا صرفا. رأوا الموائد الفارسية، وأدخل الخلفاء والأمراء على موائدهم نوعا من التحسين، ولكن لم يكن العربي البدوي إذا دخل على معاوية أو عبد الملك يشعر بأنه في جو آخر بعيد كل البعد عما يعرفه.

روى ابن خلدون: «أن الحجاج أولم في اختتان بعض ولده، فاستحضر بعض الدهاقين يسأله عن ولائم الفرس، وقال: أخبرني بأعظم صنيع شهدته. فقال له: نعم أيها الأمير، شهدت بعض مرازبة كسرى، وقد صنع لأهل فارس صنيعا، أحضر فيه صحاف الذهب على أخونة الفضة (أربعا على كل واحد)، وتحمله أربع وصائف، ويجلس عليه أربعة من الناس؛ فإذا طعموا أتبعوا أربعتهم المائدة بصحائفها، ووصائفها. فقال الحجاج: يا غلام انحر الجزر وأطعم الناس.»

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٨