في رأيي من أكبر مصائب المسلمين موت المعتزلة، وعلى أنفسهم جنوا.
الفصل الثاني
| الشيعة
عرفنا من الفصل الذي كتب عن الشيعة في «فجر الإسلام» أن التشيع أساسه الاعتقاد بأن «عليا» وذريته أحق الناس بالخلافة، وأن عليا كان أحق بها من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وأن النبي صلى الله عليه وسلم عهد له بها من بعده، وكان كل إمام يعهد بها لمن بعده: فأهم خلاف بين الشيعة وغيرهم مسألة «الخلافة» لمن تكون. وإذ كان الخليفة يجمع في يديه الشئون الدينية والشئون السياسية؛ كان الخلاف بين الشيعة وغيرهم خلافا دينيا وسياسيا، وإن كان الخلاف السياسي مصبوغا أيضا بصبغة الدين. وإذ كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نص على خلافة علي في رأيهم، وكان علي قد عهد بها لمن بعده، وهكذا؛ فأبو بكر، وعمر، وعثمان، أخذوا حقه، والخلفاء الأمويون والعباسيون معتدون غاصبون للخلافة، والواجب على شيعة علي رد الحق لصاحبه، والعمل سرا وجهرا على أن يتولى الأمر أهله.
وكان يعارض هذا الرأي رأي آخر كان يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينص على من يخلفه، وترك الأمر للناس يرون ما يصلح لهم ومن يصلح لهم، فكل ما يتطلبه النبي أن يحافظ على الدين، وترعى تعاليمه ومبادئه، وليختر الناس بعد من يرون أنه أقدر على حمل هذا العبء والقيام بتكاليفه. ثم من هؤلاء من رأوا أن تكون دائرة الاختيار محصورة في قريش، لأن العرب أطوع للقرشيين، ولأن الخليفة ينبغي أن يكون ذا عصبية تشد أزره وتحمي ظهره، ولا قبيلة في العرب أعز من قريش؛ ومن هؤلاء من أدعم نظريته بحديث: «الأئمة من قريش»؛ ومنهم من رأى أن دائرة الانتخاب لا تقتصر على قريش، بل تعم المسلمين كلهم، ولو كان عبدا حبشيا متى توافرت فيه شروط الإمامة. وعلى هذا الرأي الأخير أكثر الخوارج.
وقد بدأ التشيع من فرقة من الصحابة كانوا مخلصين في حبهم لعلي، يرونه أحق بالخلافة لصفات رأوها فيه؛ من أشهرهم سلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود. وتكاثرت شيعته لما نقم الناس على عثمان في السنوات الأخيرة من خلافته، ثم لما ولي الخلافة.
وكان حزب الشيعة ككل حزب، ينضم إليه المخلص لمبادئه، ومن يرى المنفعة فيه - فتشيع قوم إيمانا بأحقية علي للخلافة وولده، وتشيع قوم كرهوا الحكم الأموي ثم العباسي، لأنهم ظلموا منه، أو أن قوما من قبائل العرب تعصبوا للأمويين، فكان العداء القبلي يتطلب أن يكون خصومهم في الجانب الآخر؛ وتشيع كثير من الموالي، لأنهم رأوا الحكم الأموي حكما مصبوغا بالأرستقراطية العربية، وأن الأمويين لم يعاملوهم معاملتهم للعرب، ولم يعدلوا بينهم، فاضطروا بحكم الطبيعة البشرية أن يؤيدوا - ولو سرا - من عاداهم، ولا أعدى لهم من الشيعة؛ وتشيع قوم من الفرس خاصة، لأنهم مرنوا أيام الحكم الفارسي على تعظيم البيت المالك وتقديسه، وأن دم الملوك ليس من جنس دم الشعب؛ فلما دخلوا في الإسلام نظروا إلى النبي
صلى الله عليه وسلم
نظرة كسروية، ونظروا إلى أهل بيته نظرتهم إلى البيت المالك، فإذا مات النبي
صلى الله عليه وسلم
فأحق الناس بالخلافة أهل بيته. وهكذا اعتنق التشيع طوائف مختلفة لأسباب مختلفة، بل اعتنقه أيضا قوم أسوأ من هؤلاء، قوم أرادوا الانتقام من الإسلام فتظاهروا بالغلو فيه خديعة ومكرا، ومن ضروب الغلو، الغلو في التشيع. وهذا أمر طبيعي في كل حزب، ففيه دائما المخلص والمدلس، ومن يعتقده دينا، ومن يراه جلبا لمصلحة وتحقيقا لغاية.
وقد انقسم الشيعة إلى فرق عدة، وأساس الاختلاف بينها شيئان: (1)
اختلاف في المبادئ والتعاليم: فمنهم المغالي المتطرف في التشيع الذي يسبغ على الأئمة نوعا من التقديس، ويبالغ في الطعن على من خالف عليا وحزبه إلى درجة الكفر؛ ومنهم المعتدل المتزن الذي يرى أحقية الأئمة في اعتدال، وخطأ من خالفهم خطأ لا يبلغ الكفر. (2)