تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد أدى المعتزلة للإسلام خدمة لا تقدر، فقد جاءت الدولة العباسية تحمي الفرس لأنها قامت على أكتافهم، وطارت من على عاتقهم، ولكن مذاهب الفرس ثنوية وتشبيه وتجسيم ونحو ذلك، وفي إعطاء الحرية للفرس خطر في دخول هذه المذاهب وتسربها إلى المسلمين؛ وقرب العباسيون اليهود والنصارى واستخدموهم في الطب وغير الطب، وكلفوهم الترجمة إلى العربية، فكان ذلك داعيا إلى تقريبهم واختلاط المسلمين بهم أكثر من اختلاطهم في العصر الأموي. فشعور الفرس واليهود والنصارى بهذه الحرية مكن طائفة منهم أن يتسللوا بأديانهم القديمة يريدون نشرها، ولذلك نجد في هذا العصر دعاة كثيرين يدعون إلى ثنوية الفرس ومانوية الفرس، وبعض تعاليم اليهودية والنصرانية، وبعض تعاليم الهنود الأقدمين؛ وبعض هؤلاء الدعاة تستروا بالإسلام، وبعضهم دعا دعوته في علانية، وأبيح الجدل والمناظرة في أدق المسائل وأعمقها، ولم يكن المحدثون والفقهاء يستطيعون أن يقفوا أمامهم، لأن المحدثين وأمثالهم مهرة في النصوص، والذي ينكر الإسلام لا يقتنع بمجرد ذكر آية أو رواية حديث، إنما يريدون دلائل عقلية على وجود الله وعلى نبوة محمد

صلى الله عليه وسلم ؛ وعلى صحة أن القرآن من عند الله، كما يريدون دلائل عقلية على بطلان مذاهبهم؛ وكان هؤلاء جميعا من ثنوية ويهود ونصارى قد تسلحوا بالفلسفة اليونانية، واستخدموا منطقها فكونوا منه براهين على مذاهبهم، واستخدموا اللاهوت اليوناني يدعمون به معتقداتهم؛ فكان لابد لمن يقنعهم ويرد عليهم أن يتسلح بسلاحهم، وأن يكون على معرفة تامة بأساليبهم وأسرار مذاهبهم، فيقرع حجة عقلية بحجة عقلية، ويحمي المسلمين من هجومهم، وبث دعواتهم، فلم يقم بهذه المهمة، ويحمل هذا العبء في ذلك العصر إلا المعتزلة، فقد نازلوا الثنوية والديصانية والدهرية، واضطهدوا بشارا وجرير بن حازم السمني في البصرة، وجعلوا قوما من الثنوية يدخلون في الإسلام بناء على دعوتهم، وألفوا الكتب الكثيرة في الرد عليهم، ونازلوا اليهود والنصارى وردوا عليهم، وألفوا في إثبات النبوة عامة، وفي إثبات نبوة محمد خاصة، وأبلوا في ذلك بلاء حسنا؛ ولعل هذا هو السبب في أنا لا نجد - فيما وصل إلينا - لتعاليم المعتزلة نظاما عاما في البحث شاملا مرتبا، ولكن مسألة من هنا ومسألة من هناك حسب الجدل والمناظرة، لا حسب العقل الهادئ الذي يرتب في حجرته الأبواب والفصول ترتيبا منطقيا، فالمسائل تثار حسبما اتفق، إما في الجو الوثني أو اليهودي أو النصراني، أو في جو مجالس الخلفاء، أو مجالس العلماء، ويرد عليها المعتزلة، وتدون فيها آراؤهم من غير نظام إلا النظام الزمني في ظهور المسألة.

ولا يدري إلا الله ماذا كان يكون من الشر على المسلمين لو لم يقف المعتزلة هذا الموقف وقت هجوم خصوم الإسلام بهذه القوة التي هجموا بها، بل إن الأسلحة التي تسلح بها المسلمون بعد من علم الكلام على النمط الذي وضعه أبو الحسن الأشعري وخلفه، هي - من غير شك - وليدة الاعتزال، وترتيب لآراء المعتزلة، وتعديل لبعضها، وما كانت تكون لولاهم.

فلما ضعف شأن المعتزلة بعد المحنة ظل المسلمون تحت تأثير حزب المحافظين نحوا من ألف سنة، حتى جاءت النهضة الحديثة. وفي الواقع أن فيها لونا من ألوان الاعتزال، ففيها الشك والتجربة وهما منهجان من مناهج الاعتزال، كما رأيت في النظام والجاحظ؛ وفيها الإيمان بسلطة العقل، وحرية الإرادة؛ وبعبارة أخرى خلق الإنسان لأفعال نفسه، وما يتبع ذلك من مسئولية، وفيها حرية الجدل والبحث والمناظرة، وفيها شعور الإنسان بشخصيته، وعدم تحميل القدر كل تبعة ومسئولية، إلى كثير من أمثال ذلك، وكلها مبادئ - كما رأينا - قد قال بها المعتزلة وجروا عليها. وربما كان الفارق الوحيد بين تعاليم المعتزلة وتعاليم النهضة الحديثة، أن تعاليم المعتزلة لهذه المبادئ كانت مؤسسة على الدين، وتعاليم النهضة الحديثة مؤسسة على العقل الصرف؛ وبعبارة أخرى كان المعتزلة يرون هذه البادئ دينا، والنهضة الحديثة تراها عقلا، فاتصلت هذه المبادئ عند المعتزلة بالدين أتم الاتصال، ولم تتصل بالدين في النهضة الحديثة، بل كانت في كثير من المظاهر والأحوال خروجا على الدين.

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٨٥