فلما ذهب ضوء المعتزلة وقع الناس تحت سلطان المحدثين وأمثالهم من الفقهاء، وظلوا تحت هذا السلطان من عهد المتوكل إلى ما قبل اليوم بقليل؛ فكانت النتيجة جمودا بحتا، علم العالم أن يحفظ الأحاديث ويرويها كما سمعها، ويفسرها تفسيرا لغويا ويشرح رجال السند كما شرحه الأقدمون، هذا ثقة، وهذا ضعيف، من غير نقد عقلي؛ وفقه الفقيه أن يروي أقوال الأئمة قبله، فإذا عرضت مسألة جديدة لم تكن، فقصارى جهد المجتهد أن يخرجها على أصول إمامه. وتعجبني عبارة المسعودي السابقة، وهي أن المتوكل أمر الناس
بالتسليم والتقليد ؛ فهذه هي طبائع العلماء من عهد المتوكل، تسليم بالقضاء والقدر، وتسليم بما كان وما يكون، وتقليد للسابقين، وتقليد في الفتاوى والآراء، ومن ثم تكاد تكون الكتب المؤلفة في الحديث والفقه والتفسير، بل والنحو واللغة من عهد المتوكل صورة واحدة، إن اختلفت في شيء فاختلاف في الإطناب والإيجاز والبسط والاختصار. أما الترتيب فواحد، وأما الأمثلة فواحدة، وأما العبارة الغامضة في الكتاب الأول فغامضة في الكتاب الأخير؛ كلها خضعت لأمر المتوكل بالتسليم والتقليد، وانعدمت فيها كلها الشخصية لأن الشخصية عدوة التسليم والتقليد. ولو بقي الاعتزال لتلون المسلمون بلون آخر أجمل من لونهم الذي تلونوا به.
نعم وجد في الإسلام فرقة الفلاسفة وقاموا على أنقاض المعتزلة، وكان من هؤلاء الفلاسفة أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد وأمثالهم، ولكنهم في الحقيقة لم يغنوا غناء المعتزلة. لقد كان الفلاسفة فلاسفة أولا ودينيين آخرا، لا ينظرون إلى الدين إلا عندما تتعارض نظرية فلسفية مع الدين فيجدون للتوفيق بينهما، أما المعتزلة فكانوا دينيين أولا وفلاسفة آخرا، همهم الأول تعاليم الدين مفلسفا، والقرآن معقولا؛ وهم الفلاسفة آراء أرسطو وأفلاطون بحيث لا تصطدم مع الإسلام، وشتان بين النظرتين وبين الصبغتين. من أجل ذلك تعرض المعتزلة لمسائل الدين عن قرب، وتعرضوا للمحدثين وصدموهم، وللفقهاء ونازلوهم، وكانوا يقررون الأصل الديني ويردون على مخالفيهم في وضوح وجلاء؛ أما الفلاسفة فأرادوا أن يكونوا في سمائهم الفلسفية، وودوا لو نحوا الدين جانبا، فإن كان ولابد فمحاولة للتوفيق حتى لا يثور عليهم رجال الدين. لذلك أرى أن الفلاسفة لم يمسوا الحياة الواقعية للمسلمين، وكانوا في فلسفتهم اليونانية كالمفوضية اليونانية في البلاد الإسلامية، لا تمس مصالح الأمة التي تقيم فيها إلا عند التعارض مع مصلحتها. أما المعتزلة فتريد احتلالا وتريد إصلاحا وتريد توجيها، ولا تطمئن لعيشة العزلة. وناحية أخرى، وهي: أن المعتزلة كانوا أئمة البيان في الأمة العربية، وعلى رأسهم النظام والجاحظ وبشر بن المعتمر وثمامة، وأحمد بن أبي دؤاد. كل منهم إمام البيان في عصره، قد تثقفوا ثقافة عربية واسعة. يعرفون أشعار العرب وأخبارهم وآدابهم، ويعرفون المعاني العميقة التي هداهم إليها علم الكلام، فكانوا أدباء من نوع عميق لا يدانيهم فيه غيرهم؛ ومن ثم اخترعوا علم البلاغة كما أشرت من قبل - فكانوا من هذه الناحية أكثر اتصالا بالأمة الإسلامية وأبعد تأثيرا، إن لم يقرأ الناس كلامهم لاعتزالهم قرأوه لأدبهم وبلاغتهم، فكان الاعتزال يندس في ثنايا قولهم العذب، ومنطقهم الفصيح، ومعانيهم السائغة؛ أما عبارة الفلاسفة فعبارة جافة غامضة، كأنها رموز وإشارات، قد ملئت بالمصطلحات الثقيلة والعبارات الركيكة، فكانت وقفا عليهم وعلى من تتلمذ لهم لا تعدوهم، فكأنهم ألفوها واشترطوا في فهمها أن يكونوا معها ليشرحوها، فكانوا بذلك أمة وحدهم في عقليتهم وعباراتهم، فضاقت دائرتهم، وضعف أثرهم.
ومن أجل هذا لا أرى أن فلاسفة المسلمين سدوا مسد المعتزلة، بل ظلت سلطة المحدثين كما هي لم تتأثر بالفلاسفة أبدا؛ والفلاسفة كانوا يحمدون الله على السلامة منهم، ويرجونه أنه يديم عليهم السعادة التي يشعرون بها في تفكيرهم السماوي الميتافيزيقي.