235
وتعالت سلطة المحدثين وعلى رأسهم الحنابلة، وقوي نفوذهم حتى كانوا حكومة داخل الحكومة، وحتى ذكروا أن محمدا بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ ألف كتابا في اختلاف الفقهاء لم يذكر فيه أحمد بن حنبل، فسئل عن ذلك فقال: لم يكن أحمد فقهيا، إنما كان محدثا، وما رأيت له أصحابا يعول عليهم، فأساء ذلك الحنابلة، وقالوا إنه رافضي؛ وسألوه عن حديث الجلوس على العرش فقال: إنه محال، وأنشد:
سبحان من ليس له أنيس
ولا له في عرشه جليس
فمنعوا الناس من الجلوس إليه، ومن الدخول عليه، ورموه بمحابرهم، فلما لزم داره رموه بالحجارة حتى تكدست، وحتى ركب صاحب الشرطة ومعه ألوف من الجند لمنع العامة عنه ورفع الحجارة.
وبالغوا بعد في ذلك، حتى إنه في سنة 323 «عظم أمر الحنابلة ببغداد وقويت شوكتهم، وصاروا يكبسون دور القواد والعوام، وإن وجدوا نبيذا أراقوه ، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء، فأرهجوا بغداد».
فكان سلطانهم وقوة شوكتهم إجابة لعمل المعتزلة قبلهم. ومن عهد المتوكل ونجم المعتزلة في أفول، ومن اعتزل فسرا، فإن جهر احتاج إلى شجاعة كبيرة، وعرض نفسه لغضب الناس عليه وكرههم له - يروي ابن زولاق في أخبار سيبويه المصري الموسوس المولود سنة 284 والمتوفى سنة 358 «أن سيبويه هذا اشتهى الجدل وعلم الكلام، وأخذ علم الاعتزال عن أبي علي بن موسى القاضي الواسطي وكان وجه المتكلمين بمصر؛ وكان سيبويه يظهر الكلام في الاعتزال في الطرق والأسواق فيحتمل، لما هو عليه (أي من الوسوسة والجنون)؛ حدثني من حضره يوم الجمعة في سوق الوراقين في جمع كبير، وفي الحاضرين أبو عمران موسى ابن رباح الفارسي المتكلم أحد شيوخ المعتزلة المشهورين، فكان سيبويه يصيح ويقول الدار دار كفر، حسبكم أنه لم يبق في هذه البلدة العظيمة أحد يقول القرآن مخلوق إلا أنا وهذا الشيخ أبو عمران أبقاه الله، فقام أبو عمران يعدو حافيا خوفا على نفسه حتى لحقه رجل بنعله».
236
فمن عهد المتوكل والسيادة للمحدثين ومنهجهم، ولم يسترد المعتزلة سلطتهم يوميا بعد المحنة.
لقد كان عمرو بن عبيد أبعد نظرا من ثمامة وابن أبي دؤاد، فقد عرض المنصور على عمرو بن عبيد أن يسمي له قوما من أصحابه المعتزلة ليعهد إليهم ببعض أموره في الدولة فأبى، ولكن ثمامة وابن أبي دؤاد وأمثالهما اختطوا خطة الانتفاع بالحكومة فخسروا دولتهم. وكان المنصور أصدق نظرا من المأمون، فأدرك المنصور حق الإدراك مركز الخلافة، وأنها فوق الأحزاب وفوق المذاهب الدينية، يستعين بكل المذاهب، ولا يخضع سلطانه لواحد منها، يقرب المعتزلة إذا شاء، ويقرب المحدثين والفقهاء ما لم تقض تعاليم أحدهم بشيء يمس سلطانه، فهناك التنكيل. أما في غير ذلك فواسع الصدر لجميعهم. ولكن المأمون خلط بين منصب الخليفة ومنصب المعلم، فأراد أن يكون خليفة ومعلما معا، وفاته أن طبيعة الملك والخلافة إصدار الأوامر الحاسمة التي لا تحمل جدلا ولا مناقشة. وطبيعة المعلم أن يعرض النظريات، ثم توضع نظرياته على بساط البحث ، فتارة تقبل وتارة ترفض، والطبيعتان مختلفتان، فتعرض قوانين الدولة وأوامر الخليفة للعبث بها والشك فيها مفسد لها، ونظريات المعلم إذا اتخذت شكل «دكريتو» أفسدت العلم. وهذا ما حدث من المأمون يوم أن أصدر «ديكريتو» وعاقب مخالفها معاقبة من يخالف أمرا رسميا، فكانت النتيجة إخفاقا تاما له ولمن خلفه على مبدئه. وكانت إخفاقا للمعتزلة لأنهم ربطوا أنفسهم به وبهم، ورضوا عنه وعنهم، وغامروا في الفتنة، وتولوا أمر المحنة.
والآن يحق لنا أن نتسائل: هل كان في مصلحة المسلمين موت الاعتزال وانتصار المحدثين؟
في رأيي أن ذلك لم يكن في مصلحتهم، وأنه كان خيرا للمسلمين ألا يدخل المعتزلة في أحضان الدولة، وأن يعيشوا كما عاشوا في عهد المنصور، وأول عهد المأمون؛ فلو ساروا على هذا النهج، وسار المحدثون على النهج الذي وضعوه لأنفسهم، لانتفع المسلمون من ذلك أكبر نفع، ولتغير تاريخ الإسلام؛ فحزب المعتزلة يمثل حزب الأحرار، وحزب المحدثين يمثل حزب المحافظين؛ ومن مصلحة الأمة أن يكون الحزبان، يدفع المعتزلة الناس إلى إعمال العقل، وإطلاق الفكر ويتقدمون الناس بمشاعلهم وأضوائهم ينيرون السبيل أمامهم؛ ويحافظ المحدثون على العادات والتقاليد الموروثة، ويتعلقون بأذيال المعتزلة يمنعونهم أن يندفعوا في السير حتى لا ينبتوا، فتسير الأمة سيرا هينا، ولكن إلى الأمام دائما. وإخلاء السبيل أمام طائفة من الطائفتين وفقدان الأخرى ضار ضررا بليغا.