تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لعل هذه وأمثاله كان هو ما يتوقعه كبار المعتزلة عندما انغمسوا في المحنة، ولكن ماذا كان؟

كره الناس الاعتزال لأن الحكومة احتضنته، ولأن المعتزلة أيام دولتهم عسفوا بالناس وبالمحدثين والعلماء، واستباحوا دماءهم، وملأوا منهم السجون؛ واستغل المشنعون هذا فأساءوا سمعتهم، وشوهوا دعوتهم، ودخلوا على أذهان العامة من الباب الذي يتفق وعقليتهم. قالوا: إن المعتزلة لا يرون أن الله يرى يوم القيامة، فحرموا المؤمنين من أكبر لذة، والمعتزلة يقولون بخلق القرآن، فأنكروا قدسيته وعظمته وجلاله؛ وقالوا إن الإنسان يخلق أفعال الناس، فجعلوا مع الله آلهة يخلقون. ثم كان المعتزلة في دولتهم لا يضحون، بل يغنمون المال والمناصب والجاه، والمحدثون يضحون بالمال والمناصب والجاه والنفس، والناس مع من يضحي ولو لم يسألوا لم ضحى فتجمع في اسم الاعتزال كل هذه المعاني الكريهة وأمثالها.

وجاء المتوكل فأعلن سنة 234 إبطال القول بخلق القرآن، وهدد من آثار هذه المسألة، ودعاه إلى ذلك ما رأى من قوة الرأي العام ضد الاعتزال، وما سببته هذه المسألة من مشاكل للدولة؛ فرأى أن يخلص من هذه المشاكل، ويريح نفسه وحكومته منها، ولم يقف موقف الحياد، بل أظهر الميل للمحدثين ووقف بجانبهم «فاستقدم المحدثين إلى سامرا، وأجزل عطاياهم، وأكرمهم، وأمرهم بأن يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية. وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في جامع الرصافة، فاجتمع إليه نحو من ثلاثين ألف نفس، وجلس أخوه في جامع المنصور، فاجتمع إليه نحو من ثلاثين ألف نفس؛ وتوفر دعاء الخلق للمتوكل، وبالغوا في الثناء عليه والتعظيم له .... ثم أمر نائب مصر أن يحلق لحية قاضي القضاة بمصر أبي بكر محمد بن أبي الليث، (وهو الذي عذب الناس في المحنة)، وأن يضربه ويطوف به على حمار ففعل ... وولى القضاء بدله الحارث بن مسكين من أصحاب مالك».

233

ومدح أبو بكر بن الخبازة المتوكل في ذلك فقال:

وبعد فإن السنة اليوم أصبحت

معززة حتى كأن لم تذلل

تصول وتسطو إذ أقيم منارها

وحط منار الإفك والزور من عل

وولى أخو الإبداع في الدين هاربا

إلى النار يهوي مدبرا غير مقبل

شفى الله منهم بالخليفة جعفر

خليفته ذي السنة المتوكل

خليفة ربي وابن عم نبيه

وخير بني العباس من منهمو ولي

وجامع شمل الدين بعد تشتت

وفاري رءوس المارقين بمنصل

أطال لنا رب العباد بقاءه

سليما من الأهوال غير مبدل

وبوأه بالنصر للدين جنة

يجاور في روضاتها خير مرسل

ووصفه المسعودي فقال: «لما أفضت الخلافة للمتوكل أمر بترك النظر والمباحثة في الجدال، والترك لما كان عليه الناس في أيام المعتصم والواثق، وأمر الناس بالتسليم والتقليد، وأمر الشيوخ المحدثين بالتحديث، وإظهار السنة والجماعة».

234

ومدحه البحتري بقصائد كثيرة، منها في هذا المعنى الذي نحن بصدده، قوله:

قل للخليفة جعفر ال

متوكل ابن المعتصم

المرتضى ابن المجتبى

والمنعم ابن المنتقم

أما الرعية فهي من

أمان عدلك في حرم

يا باني المجد الذي

قد كان قوض فانهدم

اسلم لدين محمد

فإذا سلمت فقد سلم

نلنا الهدى بعد العمى

بك والغنى بعد العدم

ومع أنه كان من أظلم الخلفاء، فقد مدحه أهل السنة، واغتفروا له سوء فعاله لرفعه المحنة. ورأى له كثير من المحدثين رؤى في المنام تذكر أن الله غفر له.

وكان من أثر هذا حدوث رد فعل عنيف، فانتصر المحدثون انتصارا هائلا، وأخذوا ينتقمون من المعتزلة بأيديهم وعلمهم، وأخذوا يجرحون المعتزلة تجريحا شنيعا، بل يجرحون من امتحن فأقر؛ وأخذ أحمد بن حنبل رئيس المحدثين يشرح الناس، فيحكم على هذا بالضعف، وهذا بالقوة، وكان من أكبر أدواته في الميزان القول بخلق القرآن، ولم يرض حتى على من خاف على نفسه فأقر، ولم يعد هذا إكراها.. وسئل: إذا اجتمع رجلان، أحدهما قد امتحن، والآخر لم يمتحن، ثم حضرت الصلاة فأيهما يقدم؟ قال: يتقدم الذي لم يمتحن.. وسئل عمن قال لفظي بالقرآن مخلوق، فقال: هذا لا يكلم، ولا يصلي خلفه، وإن صلى رجل أعاد.. واجتمع الأشعث بن قيس وجرير على جنازة، فقدم الأشعث جريرا وقال له: إني ارتددت (أي بالقول بخلق القرآن) وأنت لم ترتد. فروى هذا الخبر لابن حنبل فأعجب به.. وبلغ ابن حنبل أن القواريري سلم على ابن رباح؛ فلما أراد القواريري أن يزور ابن حنبل قال له: ألم يكف ما كان من الإجابة حتى سلمت علي ابن رباح؟ ورد الباب في وجهه. وجاءه الخزامي - وكان قد بلغ ابن حنبل أنه زار أحمد بن أبي دؤاد - فطرده ابن حنبل، وأغلق وراءه الباب. ونهى الشهود عن أن يشهدوا أمام قاض جهمي (يريد معتزليا) ولو استعدي عليه.

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٨٢