أضحى ابن حنبل محنة مأمونة
وبحب أحمد يعرف المتنسك
وإذا رأيت لأحمد منقصا
فاعلم بأن ستوره ستهتك
ويقول عبد الوهاب الوراق في جنازة ابن حنبل: «ما بلغنا أن جمعا كان في الجاهلية والإسلام مثله، حتى إن المواضع التي وقف فيها الناس مسحت وحزرت، فإذا هي نحو من ألف ألف، ولحزرنا على السور نحوا من ستين ألف امرأة»، وكان الناس في الشوارع والمساجد حتى تعطل بعض الباعة، وحيل بينهم وبين البيع والشراء، وقيل في عدد المصلين عليه إنهم كانوا نحو ألف ألف وثلاثمائة ألف سوى من كان في السفن إلخ.
أضف إلى ذلك حرمة العلماء والمحدثين له، حتى إن من وثقه ابن حنبل وثق، ومن ضعفه ضعف، وكان أحد الأسباب التي يبني عليها توثيقه وتضعيفه القول بخلق القرآن وعدمه.
وكان بجانب هؤلاء العقلاء من المعارضين طائفة أخرى سخيفة ضيقة العقل، لا تمتنع عن الكلام في القرآن، ولكنها تقول بقدمه حتى المكتوب والملفوظ، وربما دعاهم إلى ذلك أنهم رأوا الأئمة الكبار كأحمد بن حنبل يعارضون المعتزلة، فلم يفهموا سر معارضتهم ووجهة نظرهم، فظنوا أن المعتزلة يقولون بخلق القرآن، فيجب أن يقولوا هم بقدمه في كل مظاهره، وقد حكي هذا القول عن كثيرين.
ثم نلاحظ أن ما نقل إلينا من المناظرات كان ضعيفا سطحيا، فلم يتعرض المتجادلون لجوهر المسألة، ولا أثاروا حقيقة المشاكل، ولا برهنوا البراهين العقلية على وجهة نظرهم، ولا دخلوا في الصميم من الموضوع. وإذا نحن وازنا بين هذه المناقشات التي رويت وبين الكتب التي صدرت عن المأمون، وجدنا كتب المأمون تعرضت لجوهر الموضوع، وأبانت وجهة نظره ونظر حزبه بخير مما تعرض له المناظرات. ولعل السبب في ذلك أمران، (الأول): أن المأمون أثناء المناظرات كان قد لحق بربه وخرج من ميدان المناظرة، وقد كان من أكبر أصحابه عقلا ومن أقدرهم إقناعا، ومن أوقفهم على حقيقة الموضوع. (والثاني): أن المناظرة كانت بين المعتزلة وخصومهم، وخصومهم محدثون لا يرون علم ولا يقرأونه، ولا يتعلمون مصطلحاته وقواعده ومبادئه، فكان المعتزلة إذا ناظروهم في شيء من ذلك قال المحدثون: لا نعلم شيئا مما تقولون، كما حدث مع ابن حنبل، فيضطرون إذا إلى المجادلة فقط في النصوص وفي المنقول لا المعقول، وهي دائرة ضيقة لا تتسع لبيان الأسباب الخفية والدواعي العقلية. •••
ولعل المعتزلة أو كبراءهم كانوا يؤملون من وراء هذه المسألة آمالا واسعة، فكانوا يؤملون أن يصبح الاعتزال مذهب الدولة الرسمي، كما أن الإسلام دينها الرسمي، فإذا تم ذلك انتشر الاعتزال تحت حماية الدولة، وأصبح أكثر المسلمين معتزلة، فوحدوا الله كما يوحدون، واعتنقوا أصول الاعتزال كما يعتنقون، ويحرر المسلمون في أفكارهم، فأصبح المشرعون لا يتقيدون بالحديث تقيد المحدثين، إنما يستعملون العقل ويزنون الأمور بالمصالح العامة، ولا يرجعون إلى نص إلا أن يكون قرآنا أو حديثا مجمعا عليه؛ وتتحرر عقول المؤرخين من المسلمين، فيتعرضون للأحداث الإسلامية بعقل صريح ونقد حر، فيشرحون أعمال الصحابة والتابعين ويضعونها في نفس الميزان الذي توزن به أعمال غيرهم من الناس؛ ثم تهجم العقول على فلسفة اليونان والهند والفرس فتستقي منها، وتعمل - فيها - عقولها، وتأخذ منها ما لا يتنافى مع القرآن والحديث المجمع عليه. وتتحرر عقول العامة فلا يخافون من جن، لأن الجن لا ترى، ولا تصدق بغول وسعلاة، وعلى العموم لا يشلها الخوف من الخرافات؛ ولا يشلها الخوف من الله لأن الله في نظر المعتزلة ليس حاكما مستبدا، بل هو تعالى قد ألزم نفسه بقوانين العدل، فالعدل سيرته تعالى وسيرتنا، وقانونه وقانوننا، ثم يؤمن الناس أنهم متسلطون على إرادتهم، قادرون على الخير والشر، ما صدر من خير فمن خلقهم وبإرادتهم، وما صدر من شر فمن خلقهم وبإرادتهم، ومن أجل ذلك يجزون الجزاء الحسن والجزاء السيئ، فلا يرتكن أحد إلى القدر، ولا يتوقع مسيء مثوبة، ولا محسن عقوبة، بل جزاء الإحسان الإحسان، والإساءة الإساءة، وبهذا تكثر أعمال الخير في العالم، وتقل أعمال الشر، لأن التشكك في النتيجة، واعتقاد الإنسان أنه قد يغفر له إذا أساء، وقد يعاقب إذا أحسن، يقلل إيمانه في الخير والشر. قالوا: فإذا سرت هذه المبادئ في الناس ونفذتها الحكومة زمنا، أشربتها قلوبهم، وجرت عليهم عاداتها، ونشأ عليها ناشئهم، فأصبح العالم الإنساني خير العوالم؛ فلنحتمل شرور المحنة، ولتذهب بعض الضحايا، فالغاية تبرر الوسيلة، ولا نصل إلى الحق إلا بالخوض في كثير من الباطل.