تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأشد ما يدعو إلى الغرابة أن يكون مصدر هذا التعذيب والمحنة هم المعتزلة الداعين إلى حرية الفكر والقائلين بسلطة العقل، فقد كان الظن بهؤلاء التسامح في العقيدة والبعد عن الضغط والتعذيب. ولكن المعتزلة كما قلنا كانوا عقليين، وكانوا متزمتين في عقليتهم، فهم يؤمنون بسلطان العقل، ولكنهم يرون أن من لا يحكم عقله كما حكموا أنعام أو كالأنعام. ويجب أن يحمل من لا يعقل على قول من يعقل؛ وفاتهم أن العقول متفاوتة وأنماطها مختلفة، وأن القول بسلطان العقل يقضي أن يعذر من ضاق عقله ويسمح له أن يسير في حياته حسب عقله الضيق ما لم يضر بمصلحة عامة.

لقد تجلى في هذه الحركة بأجلى بيان صراع العقل والعاطفة، كان العقل والمنطق في جانب المعتزلة، والعواطف في جانب الجمهور والمحدثين. وكان عقل المعتزلة عقلا حادا جافا فلسفيا، وأضعف نقطة فيه أنه يراد أن يفرض على العامة فرضا، يراد أن تكون الأمة فلاسفة تعرف الجوهر والعرض والكمية والكيفية، والمحدود واللا محدود، والوحدة والتعدد والمكان والجهة، وإلى الآن لم يخلق الله أمة كلها فلاسفة على هذا النمط، ولا أدري إن كان ذلك في مصلحة الإنسانية أو لا.

والمعارضون شعب يؤمن بقلبه لا عقله، ولا يستطيع أن يفهم ما يقوله المعتزلة في صفات الله، وزادهم فيه كراهية أن الحكومة تنصره، والجنود بسيوفها وسياطها تؤيده، وأصحاب المناصب الكبيرة في كل ولاية تمتحن فيه، والناس دائما يكرهون من أعماق قلوبهم هذه المظاهر، ويدعون الخارج عليها بطلا، ويحلون رجال الدين يوم يبتعدون عنها، ويحترمون من يزهد فيها. وكتب التراجم مملوءة بإطراء من رفض عطاء من وال وسلطان؛ فلما رأوا السلطة تؤيد القول بخلق القرآن جال الشك في نفوسهم، وأحسوا إحساسا من طريق الإلهام أن هذا القول لا يتفق والدين؛ والعقلاء من علماء المحدثين فطنوا إلى هذا ورأوا أن العامة إذا تفلسفوا ألحدوا، وإذا قلت لهم إن القرآن مخلوق فذلك يساوي أنه يصح الرد عليه، ويجوز الإتيان بمثله وتصح مخالفته، ويمكن للعقل أن يأتي في التشريع ونحوه بخير منه، إلى غير ذلك من المعاني الغامضة التي قد تجول - مع غموضها - في أنفسهم ولا يستطيعون التعبير عنها، فرأى هؤلاء العقلاء من المحدثين أن الكلام في نفس الموضوع لا يصح لا بالنفي ولا بالإثبات، وعبروا عن ذلك بأن الكلام فيه بدعة، حتى امتنعوا أن يقولوا ما هو ظاهر بالبداهة لا ينكره عاقل، وهو أن ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، والحروف والورق في المصاحف مخلوقة، فهذا يكاد يكون محسوسا، فألفاظنا تفنى بمجرد النطق بها، والمصحف عرضة للحريق والفناء بالزمان؛ ولكنهم مع إيمانهم بهذا لا يريدون أن يقولوا به المبدأ الذي ذكرنا. فتلاقى عقل العقلاء من المحدثين مع عواطف العامة، وكونوا جبهة واحدة، وزادهم قوة معنوية أن الجنود والسلاح ليست معهم، وأن العذاب يوقع عليهم، وأن فضيلة التضحية إنما تظهر من جانبهم، وكلما عذب أحد من رجالاتهم زادهم برأيهم إيمانا - وهذا ما صرح به كبراؤهم كأحمد بن حنبل وأحمد بن نصر والبويطي، فقد قالوا جميعا أقوالا متشابهة تدل على أن إيمان العامة أصبح في عنقهم، وأن إقرارهم بخلق القرآن هزيمة للشعب، وهزيمة لإيمان الشعب، وشعور بخذلان الدين، فليضحوا بدمائهم وأنفسهم نصرة للدين وإعلاء لكلمة الله.

ومن الحق أن نقول إن في كل من المعسكرين من كانوا مخلصون لعقيدتهم، فأنا أعتقد أن مثل المأمون والواثق وأحمد بن أبي دؤاد كانوا مخلصين في آرائهم: رأوا أن ما يقولونه هو الحق، وأنا معهم أنه هو الحق، وإن لم أكن معهم في أن كل حق يقال لكل إنسان، وإن لم أكن معهم أيضا في إلزام الناس أن يقولوا ما أرى أنا أنه الحق، ولكن الكثير في هذا المعسكر أتباع كل سلطان، إن قالت السلطة هو أحمر فهو أحمر، أو أسود فهو أسود. ويعبر عن ذلك تمام التعبير ما روي من أن جنديا قال لأحمد بن حنبل لما امتحن أمام المعتصم: «ويحك! إمامك على رأسك قائم، والناس حولك، وتريد أن تغلب هؤلاء جميعا؟»، وكثير من هؤلاء رأوا أنهم لا يستطيعون أن يبقوا في مناصبهم إلا إذا جاروا السلطة في رأيها فقالوا بذلك؛ كما أن في المعسكر الآخر مخلصين كابن حنبل وأشباهه، ومنهم من أعجبه تصفيق العامة، خصوصا إذا لم يصل الأمر إلى السيف، ففضلوا أن يكونوا أبطال العامة على أن يكونوا جنودا مجهولين في معسكر السلطان، لا سيما وكره العامة يكون أحيانا أنكى وأوجع من سياط الحكومة، ومكافأة الجمهور قد تكون أروع من مكافأة الحكومة؛ لقد كوفئ أحمد بن حنبل من جمهور المسلمين مكافأة أين منها مكافأة المأمون والمعتصم والواثق لابن أبي دؤاد؟ لقد مات أحمد فقال فيه القائل:

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٨٠