صلى الله عليه وسلم ؛ وأبو بكر وعمر والخلفاء؟ أم شيء لم يعلموه فقال ابن أبي دؤاد: لم يعلموه. فقال الشيخ: سبحان الله! شيء لم يعلموه، أعلمته أنت؟ وفي رواية أنه أعاد عليه السؤال، فقال ابن أبي دؤاد: علموه ولم يدعوا إليه. فقال الشيخ: هل وسعهم ذلك؟ قال: نعم: قال الشيخ: أفلا وسعك ما وسعهم؟!
ومثله ما رواه العقد الفريد أن بشرا المريسي كتب إلى أبي يحيي منصور بن محمد يسأله: القرآن خالق أو مخلوق؟ فكتب إليه أبو يحيى: «عافانا الله وإياك من كل فتنة، وجعلنا وإياك من أهل السنة، وممن لا يرغب بنفسه عن الجماعة، فإنه إن يفعل فأعظم بها منة، وإن لا يفعل فهي الهلكة، ونحن نقول: إن الكلام في القرآن بدعة يتكلف المجيب ما ليس عليه، ويتعاطى السائل ما ليس له، وما نعلم خالقا إلا الله، وما سوى الله فمخلوق، والقرآن كلام الله، فانته بنفسك إلى أسمائه التي سماه الله بها، فتكون من المهتدين، ولا تسم القرآن باسم من عندك فتكون من الضالين جعلنا الله وإياك من الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون».
230
وقد روي أن البويطي قال له الوالي: قل إن القرآن مخلوق فيما بيني وبينك، قال: «
إنه يقتدي مائة ألف ولا يدرون المعنى ».
231
ومن أجل هذا كان أحمد بن حنبل يكره من يتكلم في المسألة بنفي أو إثبات، فقد روي أنه قيل للكرابيسي، ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله غير مخلوق، فقال له السائل: فما تقول في لفظي القرآن؟ فقال: لفظك به مخلوق. فروي هذا لأحمد بن حنبل، فقال: هذه بدعة. وروي أن السائل رجع على الكرابيسي ونقل له قول أحمد واستنكاره، فقال الكرابيسي: إذا فتلفظك بالقرآن غير مخلوق. فرويت لأحمد فأنكر ذلك أيضا وقال: هذه بدعة.
232
وعلق السبكي على ذلك بقوله: «وهذا يدلك على أن أحمد إنما أشار بقوله (هذه بدعة) إلى الكلام في أصل المسألة ... والسلف لم يكونوا ينكرون أن لفظنا حادث، وأن سكوتهم إنما هو عن الكلام في ذلك لا عن اعتقاده». وقال في موضع آخر: «والسر في ذلك تشديدهم في الخوض في علم الكلام خشية أن يجرهم الكلام فيه إلى ما لا ينبغي، وليس كل علم يفصح به».
هؤلاء هم أمثل المعارضين؛ وهناك قوم أداهم السخف إلى القول بقدم القرآن حتى المكتوب في المصاحف، والملفوظ به في ألسنتنا، وهو قول جر إليه ضيق النظر وضعف العقل، وقد نسب الذهبي إلى ابن حنبل القول بقدم الألفاظ، وما أظنه كذلك، كما نفاه السبكي عنه نفيا باتا.
فإن نحن تساءلنا: أي الحزبين على حق؟ قلنا: إن المعتزلة والمأمون وإن كان رأيهم العلمي حقا وصحيحا، فإن خصومهم على حق في ألا تثار هذه المسألة أمام العامة. وقد أخطأ المعتزلة والحكومة خطأين: (الأول) إرادتهم إشراك العامة في هذه المسائل، والعامة أبعد الناس عن ذلك، وكيف يفهمون علم الكلام وهو علم دقيق تاهت فيه عقول الخاصة؟ إنما هو للفلاسفة وأمثالهم، لا للعامة وأشباههم. هل يريد المعتزلة أن يفهم العامة صفات الله، وهل هي عين الذات أو غير الذات، وأن الرؤية تقتضي أن يكون المرئي محدودا في مكان؟! إن فهموا هذا فهو خرق في الرأي، وقد قبل النبي
صلى الله عليه وسلم
من الجارية أن تعتقد أن الله في السماء وأن تشير إليه، لأن عقلها لا يسمح لها بأكثر من ذلك، ولم يحاول أن يفهمها أنه ليس في مكان، فمحاولة المعتزلة تفهيم العامة ما هو أدق من ذلك تكليف بما لا يطاق.
والخطأ الثاني حملهم الحكومة أن تتدخل بسلطانها وسيوفها وسياطها وجنودها وولاتها في هذه المسألة، فكأنهم أرادوا أن يجعلوا مجالسهم للجدل والمناظرة مجمعا كمجامع القساوسة يقررون فيه ما يشاؤون، ثم يرغمون الناس على القول بما يقررون، بل زادوا عليهم قسوة وتعذيبا. وقد دلوا بعملهم هذا على جهلهم بنفسية الشعوب، وجهلهم بتاريخ انتشار العقائد؛ فالعقيدة لا ينشرها التعذيب، إنما ينشرها الإقناع، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة. وقد غلوا غلوا شنيعا في أنهم عدو السكوت عن القول بخلق القرآن إشراكا؛ فالإسلام عماده «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، فمن قالها عصم دمه وحسابه بعد على الله.